
هنالك محطات من تاريخ الشعوب والمجتمعات لا يمكن الرجوع فيها أو عنها، وتكون المسألة أكثر صعوبة حين تأتي مثل هذه المحطات كنتيجة لتراكمات فكرية وسياسية واجتماعية تشكّلت عبر مراحل مختلفة وترسّخت في وعي المواطن بحيث أصبحت جزءاً من ثقافته.
حرية التعبير والكلمة في الكويت واحدة من أبرز المحطات التي طالما ميّزت الكويت كدولة وصنّفتها بصبغة مختلفة ومميزة، ولم تأتِ مثل هذه الحرية كهبة أو منحة، بل عبرت بمراحل وصراعات بُذِلَت فيها الدماء أحياناً قبل أن تتمخض عن هيئتها الراهنة وتصبح سمة أهلها ومفكريها ومثقفيها وجميع من اختارها مقاماً وسكناً، ثم جاء دستور دولة الكويت الذي خصّص للحرية كلمة وسلوكاً وفكراً وملبساً ورأياً وعقيدة نصيباً وافراً أضاف للمحطات التاريخية السابقة صبغة قانونية ورسمية، وجعلها حقاً مكتسباً لا يجوز التنازل عنه وإلا كان تنازلاً عن قَسَم الدفاع عن الدستور وحقوق الأمة والذي تُقسم عليه السلطات الثلاث قِبَل مباشرة مسؤولياتها. المشروع الذي أعدّته وزارة الإعلام أخيراً هو مشروع يتناقض وبشكل صارخ مع كل تلك المحطات التي رسَمَت تاريخ الكويت السياسي ولا تزال.
مشروع القانون الجديد يحظر توجيه النقد لولي العهد أو نائب الأمير، وتلك مادة مفهومة ومقبولة على اعتبار أن ولي العهد هو أمير المستقبل والذي ينص الدستور على صيانة ذاته. لكن ما ورد في المشروع من محظورات أخرى يشكّل انتهاكاً واضحاً لحرية الكلمة وأدوات النقد بشكل عام ومن هنا كانت الوقفة الحازمة ضد المشروع والتي شارك بعض أعضاء مجلس الأمة الشارع الكويتي بأكمله في رفضها. فطبقاً (للمحصّنين) في هذا المشروع لا يجوز المساس بالحياة الخاصة للموظف العام أو المكلّف بخدمة عامة أو لأي من نواب مجلس الأمة أو نَسْب أقوال أو أفعال غير صحيحة تنطوي على تجريح لشخصه أو الإساءة إليه. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الموظف العام أو النائب يبقيان شخصيتين عامتين يمارسان السياسة أو الإدارة، وبالتالي يكون من الصعب عدم انتقادهما أو تناول أدائهما وأعمالهما ضمن حوارات سواء اجتماعية أو من خلال أدوات التواصل الإلكتروني أو الصحافة، ومن يجد حرجًا في ذلك ما عليه إلا أن يبتعد عن سدّة المسؤولية والعمل السياسي بشكل عام.
مشروع قانون تنظيم الإعلام في الكويت مرفوض من عناوينه الرئيسية، وبخلاف صيانة ذات ولي العهد، فإن كل ما ورد فيه من تفاصيل غير قابل للتصديق ولا للتطبيق، فهو كقانون رقابي شأنه شأن كل القوانين المشابهة يأتي مطاطًا وقابلاً لألف تأويل وتأويل، لذلك حتى وإن وافق مجلس الأمة على إقراره، فإنه لن ينفَذ من مخالب الشارع الكويتي الذي أصبح رافداً من روافد القرار السياسي، بدليل أن الإرادة الشعبية سبق أن أسقَطَت حكومات ورؤساء حكومات، بل وفي أكثر من مرة تصدّت لقوانين مشابهة ولأسباب تعود – وكما ورَدَ في بداية المقال – إلى المحطات التاريخية التي عبرت بها الكويت وترسّخت من خلالها ثقافة ونزعة الحرية، والتي قد يكون من الصعب جداً – إن لم يكن من المستحيل – كبح جماحها من دون خسائر فادحة للأطراف كافة.
الحرية في الكويت باتت شبه مقدسة، والرجوع عن مثل هذا اليقين صعب إن لم يكن مستحيلاً لكنها – أي الحرية – يبدو أنها أصبحت مزعجة بعض الشيء لأطراف من داخل الكويت ومن خارجها، فالحرية لا تعرف حدوداً جغرافية، ولا تشترط أوراقاً ثبوتية، ومن هنا أصبحت تشكّل عبئاً إقليمياً على البعض، لذلك يقتضي تقنينها أولاً من الداخل سواء بقوانين أو بعقوبات، وهو أمر يحمل انتهاكاً صارخًا للمادة 36 من الدستور والتي نصّت على أن حرية الرأي مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما، وهذا ما أقسم النواب والحكومة والسلطة على صونه واحترامه والعمل به وفقاً للعقد الاجتماعي الذي دشّنه دستور دولة الكويت. ومن هنا جاءت الانتفاضة الشعبية والنيابية ضد مشروع الإعلام الذي يستهدف حرية الرأي والتعبير ويتعارض مع مبادئ الدستور، أما من يجد أنه قد يتعرض لإساءة، فالسلطة القضائية وساحتها تكون الملاذ، وليس لوزارة الإعلام دخل هنا على الإطلاق.
