
قد يفتقد هذا الحديث إلى تفاصيل قانونية.. يستطيع القارئ أن يقوّمني إذا ما جهلتها.. لكنه بالتأكيد.. إن شاء الله.. لن يفتقد المنطق.. والبديهة العقلية.. وحتى نبني علاقة واضحة جلية في هذا المقال بين ما هو مدوّن كحق.. وبين ما هو معمول به ومطبّق كفعل.. نقول.. أن هذا الوطن الصغير قد نشأ وتكون على أساس الإقرار بوجود الآخرين.. والأخذ برأيهم.. ومشاورتهم.. فنظام الحكم بناه وأقامه ذلك المفهوم الذي كان سائداً بين قاطني هذه البقعة.. وتوزيع المهام والأدوار كان وإلى بداية هذا القرن.. مسألة تعكس جانباً كبيراً من حرية القول والحركة التي كانت رائجة.
ديباجة كان لا بد منها.. ونحن نحاول أن نغوص في مفهوم الحرية في هذا الوطن.. فعلى الرغم من أن الحرية كمفهوم قد بقيت جدلية منذ نشأة البشر. إلا أن تعزيزها بقوانين مكتوبة.. وبدساتير ونظم جعل منها الأداة الضرورة في كل عملية بناء وتأسيس لأي مجتمع كان.
فبدون حرية لا يوجد عمل ناجح.. وبدونها لا يتولّد إبداع.. ومن دونها لا يصلح علاج ولا تقويم.. فالتطور الاقتصادي أساسه حرية.. والتغيير أساسه حرية..
والسلام والحرب أساسهما حرية.. فالحرية هي المشرط المعالج الذي يفتح الجروح قبل أن تتراكم وتتقيح.. لكي تندمل نظيفة.
والحديث عن الحرية حديث يتكرر في كل مجال. وفي كل وقت.. نظراً لكون الحرية في هذا الوطن لا تزال في مهدها بعد.. فما بين الحرام.. والممنوع تتراكم أمور كثيرة.. يتراجع المجتمع عن الفتوى بها.. أو السماح بها.. خوفاً من أن يتهم باللادينية.. أو باللاوطنية. وعلى الرغم من أن الجدل حول مفهوم الحرية.. وحدودها.. هو جدل قائم دائماً إلا أن أحداثاً معينة قد تساهم أحياناً في إثارته بشكل مضاعف. ولعلّ في قضية توقيف الصحافيين الثلاثة من جريدة “الطليعة” مثالاً على تلك الميزات لجدلية الحرية!!
فعلى الرغم من جهلي بالمفردات القانونية.. التي تنص على مشروعية إجراء التوقيف من عدمه.. إلا أن ما يثير في هذه القضية أولاً.. هو في كون الموقوفين صحافيين.. وما تعنيه صفتهم تلك من حاجتهم إلى حرية نشر تنظمها ولا شك قوانين مطبوعات ونشر. وهي حرية ولا شك يملكها وبنفس الدرجة. الطرف المقابل في القضية.. ذلك هو أولاً.. أما ثانياً.. فإن أسلوب القذف.. والذي تُصر دعوى الصحيفة الشاكية عليه. رغم خلو الخبر المنشور من أي تفاصيل. أصبح وللأسف أكثر ما يميز الصحافة والصحف في هذا الوطن. والصحيفة الشاكية سبق وأن تنازلت أو تجاوزت عن قضايا (قذف) بشأنها. كانت أكثر وضوحاً واتهاماً من هذه.
أما أبرز ما في قضية الخلاف بين الصحيفتين في محور الخلاف. وطبيعة الشكوى فالتهمة الموجهة كانت تهمة استلام رشوة.. من أحد أباطرة فضيحة الاستثمارات الكويتية. وهي قضية على درجة كبيرة من الحساسية.. خاصة وأنها ترتبط بأسماء بارزة لمسؤولين أؤتمنوا وإلى وقت طويل على مُقدرات هذا الوطن.. وثرواته.. ولعلّ المضحك المبكي هنا.. هو في سرعة التفاعل مع قضية (القذف) مقارنة ببطء رد الفعل تجاه قضية الفساد والتعدي على المال العام.
ونعود إلى حديثنا الذي بدأنا به عن الحرية بشكل عام والتي تثير قضايا كهذه.. تساؤلات حول مدى وجودها في هذا الوطن. فنقول. أن الحرية كل لا يتجزأ والمجتمعات التي بُنيت على أنصاف الحريات.. بقيت من السهل جداً أن تصوغ المبررات في مخاطر الأخذ بالحرية كمفهوم يعمل به المجتمع ككل.. وبدون قيود.
فالمبررات الاجتماعية والتراثية.. والدينية هي دوماً حاضرة وجاهزة لتقليص مفهوم الحرية. أما القول بأن حرية الفرد تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين.. فهو قول فضفاض في مجتمع كهذا الوطن.. تتحكم عوامل كثيرة في تحديد الخطوط الفاصلة في حريات الآخرين.. لا علاقة لها بمفهوم الحرية.. وإنما بمركز.. وعائلة.. ولقب.. ونفوذ أصحاب الشأن.. فحدود حرية الأسماء المرموقة. هي بلا شك أكثر وضوحاً وصرامة من غيرها.. فلم نسمع أبداً عن شخص بسيط متواضع. أودع مستشفى الطب النفسي لعلاجه عن تورطه في جريمة أو سرقة أو جنحة!!
الحرية بلا شك هي سيدة الاختلاف والاتفاق على حد سواء.. فمن دونها لا طعم ولا رائحة لأي فعل أو رد فعل.. ولا لرأي أو لآخر.. والمجتمعات التي تحرص على صون وحماية الحريات.. هي ولا شك مجتمعات صحية.. تستطيع أن تحفظ توازنها.. من خلال قوانين نافذة. وسارية على الجميع. وإذا كانت الحرية سيدة الاختلاف والاتفاق. فإن العدل سيد التوازن والإنصاف.. وتلك ولا شك مسألة ستعيدنا إلى جدلية الحرية التي أثارها توقيف النيابة العامة في هذا الوطن للصحافيين الثلاثة. فنحن لم نفشل فقط في الحفاظ على الحرية التي كفلها الدستور.. وحرية النشر التي يكفلها قانون المطبوعات. والذي لا يتعارض مع ما نشرته جريدة “الطليعة”.. وإنما عجزنا كذلك عن قراءة القوانين التي صغناها. فالتهمة التي وجهها صاحب الدعوى تفتقد إلى السند والدليل القانوني.. وتلك حقيقة لمسها المتابع من خلال شروط الكفالة. من مائتي دينار. إلى مائة. ثم إلى كفالة بحكم المنصب!!
قد لا تكون تفاصيل مثل هذه التجاوزات على الحرية هي المرمى والقصد.. إلا أن أهميتها ولا شك تكمن في ما أصبحت تثيره من تساؤلات مُلحة.. حول حقيقة ومفهوم الحرية في هذا الوطن!! وفاعلية وجدوى القوانين المدوّنة!!
