الأرشيف

الحرية بين الغرب والعرب

[جريدة القبس 3/10/2012]

أسقطت واقعة الفيلم المسيء لرسول الله c الضوء على الفرق بين الغرب والعرب، في ما يتعلق بالحرية كمفهوم، وممارسة.
فنحن – كمجتمعات عربية وإسلامية – لا نستطيع أن نستوعب ما ردده المسؤولون في أكثر من دولة أوروبية، من أن حظر مثل هذا الفيلم أو حتى معاقبة من أخرجه، مسألة تتعارض مع قوانينهم الداعمة للحريات، والتي منها حرية التعبير.
مفهوم الحرية بشكل عام كان ولايزال عُرضة للبحث والنقاش، هذا بالإضافة إلى أن الحرية بقيت، ولعصور طويلة، عكس العبودية، بمعنى أن الشخص الحُر هو الشخص غير المملوك وغير المُسخر لخدمة أفراد أو مؤسسات أخرى. والتاريخ يحفل بصراعات ومعارك للمطالبة بحقوق العبيد وحرياتهم.
في عالمنا العربي يأتي لفظ الحُر كمرادف للإنسان النبيل والشهم أو عكس الرقيق. ولم يكن من ضمن تلك الصفات الحق في التعبير أو التنقل أو حق الفكر والرأي.
بل حتى مع قدوم الإسلام، وبما وفره من حرية للرقيق والضعفاء، بقي مفهوم الحرية في المجتمعات الإسلامية مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالالتزام بالتعاليم الإلهية، وبقي مفهوم حرية التعبير ملتزماً بأوامر ونواهي الدين والقرآن، أي لا خروج عنها إطلاقاً، حتى وإن كان في ذلك ما يشير إلى انتهاك حرية الرأي أو الفكر.
اليوم، وفي ظل ثورة الاتصالات والمواصلات، أصبح البعض يطرح فكرة الحرية من منظور عالمي مختلف تماماً عن المنظور الشرقي الضيِّق. وأصبحت الديمقراطية كنهج مطروحة بشكل أوسع وأشمل، أي ليس في شقها السياسي البحت فقط، وإنما كذلك في جانبها الأخلاقي والمجتمعي.
مفهوم الحرية، كما ورد في القواميس، يقول إن الحرية هي التحرر من القيود التي تكبِّل طاقات الإنسان وإنتاجه، سواء كانت قيوداً مادية أو معنوية، فهي تشمل التخلُّص من العبودية لشخص أو جماعة أو للذات، والتخلُّص من الضغوط المفروضة على شخص ما لتنفيذ غرض ما، والتخلُّص من الإجبار والفرض. ولعل أجمل من تحدَّث عن الحرية كمفهوم هو الفيلسوف الفرنسي فولتير حين قال: أنا لست من رأيكم، ولكنني سأصارع من أجل قدرتكم على القول بحرية.
لكن الإشكالية دائماً في فهم الحرية هي إشكالية فلسفية دينية، وإن لجأت أغلب المدارس الفلسفية إلى حكم الوسط، حيث العلم المطلق للخالق، مع حرية اختيار الإنسان الذي يتحمَّل مسؤولية اختياراته مما يبرر عقاب الآخرة الذي أجمعت عليه كل الأديان.
ليس من الحرية التهجم على المقدَّسات، لكن ليس من الحرية كذلك قتل الأبرياء وحرق السفارات وشتم الأمم.
مثل هذا الفهم الخاطئ للحرية جعل الكل يُصادر حق الكل، كل يرى أن حريته في التعبير مطلقه ولا محدودة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى