الحرب.. والسلام

الحرب.. والسلام
لا شك أن إحلال السلام في المنطقة سيحل وبالاً على شعوبها.. لا استقرار ومستقبلاً أكثر إشراقاً!! فهي شعوب ظلت تجتر شعارات الصمود والمقاومة.. وإعادة التراب السليب!! إلى آخر ذلك من مهدئات كانت تصم أذن المواطن عما يسمع من أكاذيب.. وتلجم فمه حين يصرخ به الجوع… ويفترسه مرضه حين يتآكل بدنه!! الكل كان في خدمة القضية الأم.. والحياة بأكملها مؤجلة إلى أن تعود الأرض… الوطنية حينذاك لم تُفرض فرضاً.. وإنما جاءت تطوعاً من المواطن.. لذا فإن الجوع كان مقبولاً والمرض والألم والجهل.. كلها كانت ضريبة لنصرة الحق.. ولرفعة الراية العربية!!
الآن، تبدو المجتمعات العربية بشعوبها كصاحب المرض المزمن.. الذي أوقفت عنه جرعات مضاد الألم.. فأصبح أكثر وعياً بأعراض الألم.. ولمصدر الداء!!
السلام سيكون عبئاً على شعوب المنطقة.. لا لكونه مفروضاً من الأطراف المنتصرة في جولة الصراع العربي – الإسرائيلي السابقة.. وإنما لأن الخطوة المنطقية التي ستتبع السلام.. ستكون التعبئة لمشاريع التنمية والتخطيط لإعادة تأهيل المواطن العربي.. حتى يتمكن من القضاء على آفات الجهل والمرض.. والفقر.. ولا نقول لبناء مجتمع الرفاه!! فالعالم العربي بأكمله خارج من نفق طويل من الظلام والتخلف.. تطمح شعوبه الآن في نهاية مضيئة له.. وهو أمر لا يبدو وارداً حتى الآن.. وذلك حسبما نشهده من تحمس واضح لكثير من الأنظمة العربية لفرض مزيد من سياسة العزل والقمع لشعوبها.. لمجابهة الطموحات المتصاعدة والمنادية بإعلان برامج تنمية واضحة، للمواطن فيها حصة تعوضه عن سنوات الحرمان.. التي قضاها هاتفاً للثورات وثوارها.
من المؤسف القول.. إن فرصة السلم والاستقرار التي يأملها العالم، ما هي إلا ديكتاتورية قمعية جديدة للعالم العربي!! ديكتاتورية تفرضها ميزانيات مثقلة وديون متراكمة.. وأوضاع أمنية متدهورة!!
في مصر وحدها مليون ونصف المليون طفل عامل نتيجة لظروف اجتماعية واقتصادية، أعمارهم تقل عن 14 عاماً.. بينما يحتل العراق أعلى مرتبات الجهل والأمية.. في وقت أتى فيه التصارع في اليمن على قدر كبير من المقدرة الاقتصادية!! ويغرق السودان في حرب الجنوب بلا نهاية!!
مما لا شك فيه أن الأخطاء في مجتمعاتنا وتكويننا السياسي في العالم العربي.. قد أصبحت أكثر بروزاً وحدّة.. ولا نقول إنها استجدت، وإنما هي أصبحت في معزل عن الشعارات التمويهية التي أصبح استمرارها مستحيلاً.. لأنه أصبح غير مقبول! تماماً كما أصبح بقاء الوضع السياسي في بعض الأنظمة العربية غير مقبول.. دون توفر برامج تنمية واعية وشاملة.. تحل محل تلك الشعارات.. وتؤدي دورها في إضفاء الشرعية.. وتبرير استمرار تلك الأنظمة!!
لا تكمن حساسية الوضع العربي الآن ولا تقتصر.. على عجز أو فشل الأنظمة السياسية القائمة فيه! وإنما أيضاً على سمات التغيير الجماهيري المتوقع لهذه المرحلة! فدرجة التردي في بعض الأنظمة العربية قد لا تدفع بها إلى تغيير.. أو انهيار!! وذلك لضعف ووهن مقومات التغيير الكامنة سواء في عزيمة الشعوب أو في معاولهم وسواعدهم!!
كذلك لن تتمكن الأوضاع في تلك الدول العربية من الاستمرار، لكونها أصبحت مخالفة للشرع وللقوانين والأعراف المحلية والدولية!! لذا فإن من أهم سمات المرحلة المقبلة ومن أبرز صفاتها ستكون الثورات الهوجاء.. والعنف المختنق.. والبؤس المتراكم!! بلا تنظيم.. ولا قيادة!! يدفعها إلى التحدي والهياج واقع مترد.. لا تخشى عليه تردياً أكثر!!
عبء السلام والاستقرار لن يكون أخف من عبء الحرب والقتال!! خاصة بالنسبة لواقعنا العربي.. الذي يئن تحت سنوات من البؤس والجهل.. والفقر!! معركة السلام لا تقل عن معركة الحرب!! ومن الجهل كل الجهل أن نخلط بين أدوات الحرب والسلام!! فديكتاتورية حقبة الحروب.. لن تؤدي الغرض ذاته.. ولن تفرض السلام!!
