
حكمت المحكمة بتغريم رئيس تحرير جريدة “صوت الكويت” وحبس الكاتب الصحفي فؤاد الهاشم لمدة ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.. وتعطيل الجريدة لمدة أسبوع.. وقد جاء هذا الحكم بعد أن تقدم عدة أشخاص بشكوى ضد الكاتب فؤاد الهاشم لمقالات تم نشرها في الجريدة المذكورة.. والتي اعتبرها هؤلاء الأشخاص استهتزاء بالعقيدة الإسلامية.
وبصرف النظر عن رأي أولئك الأشخاص.. فهم يملكون كامل الحرية ليروا ما يرون.. وليعبروا عما يعبرون.. إلا أن حكماً بهذه الصورة.. صادراً من جهة رسمية قضائية تمثل الوطن بمواطنيه جميعاً.. يفترض فيه أن يكون أكثر عدلاً عند الفصل بين من يحق ومن لا يحق له التعبير عن رأيه خاصة وأن الرأي موضوع الجدل هنا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون واحداً متناغماً خاصة وأن مسائل كالنقاب والمايوه الإسلامي، (وهي موضوع المقالات المذكورة) هي مسائل قابلة للجدل والنقاش.. بل وحتى عذاب القبر والذي تضمنته إحدى مقالات الكاتب.. هو في الحقيقة أمر لم يتم عرضه مفصلاً في القرآن وبنفس التفاصيل التي يصر البعض عليها، ولعلنا جميعاً نتذكر جيداً تلك الضجة التي أثارها الكاتب الهاشم حين (جاهر) بحلمه الصيفي ذلك.
هذا حديث ليس القصد من ورائه الدفاع عن فؤاد الهاشم.. ولا عن جريدة “صوت الكويت”.. والتي كان عقابها على نشر تفاصيل ذلك “الحلم الصيفي” فورياً ودون محاكمة.. فكان قرار حظر توزيعها في جمعيات الوطن التعاونية.. والتي يفترض أساساً أن يساهم أغلبية أعضائها في فرض العقوبات أو إقرار القوانين.. عملاً بأمر الشورى والتي أقرها الدين الحنيف أولاً.. وانطلاقاً من كونها مساهمة مالية مشتركة تضم كافة أفراد المنطقة ثانياً ولا أريد أن أعود هنا إلى ذلك الجدل حول مدى أحقية جماعة الإدارة في الهيمنة على قرارات إدارات الجمعيات التعاونية فهو حديث يطول، ولكن أريد هنا وكمواطنة إبداء رأيي المتواضع والذي قد يفتقد للتفاصيل القانونية في قرار المحكمة.. فإنما فعل ذلك انطلاقاً من حريات كفلتها له القوانين الوضعية والسماوية معاً.. فبحسب القوانين الوضعية وكما جاء في دستور الوطن وفي المادة 35 “حرية الاعتقاد مطلقة” وكما جاء في المذكرة التفسيرية.. “تقرر هذه المادة” “حرية الاعتقاد مطلقة” لأنها ما دامت في نطاق الاعتقاد أي “السرائر” فأمرها إلى الله.. ولو كان الشخص لا يعتقد في دين ما.. وانطلاقاً من ذلك الحق الدستوري.. فالسيد “الهاشم” حين تحدث عن المايوه الإسلامي أو عذاب القبر.. أو المنقبات فقد عبر عن اعتقاده.. والذي كفله له الدستور ولا يعني ذلك إطلاقاً خروجاً عن تعاليم الإسلام والإيمان.. فهو لم ينتقد الذات العليا.. ولا الرسول الأكرم.. وإنما انتقد أفراداً بإمكانهم الرد عليه.. مستعينين بذات الحرية التي استعلن بها.. دون حاجة إلى أن يتحدث أحد بلسانهم.. أما فيما يخص القوانين السماوية.. فإنها أكثر سماحة ونضجاً من تعاليمنا وقوانيننا الوضعية.. وقد أكد الحق تبارك وتعالى حق الاعتقاد في قوله ﵟلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٤٨ﵞ ﵝالمَائـِدَة : ﵘﵔﵜ F.
ولقد رأى أصحاب الدعوة في هذه القضية.. أن مقالات الكاتب فيها تجريح للشعور الإسلامي.. ومساس بقيمته الثابتة.. وخروج على الآداب الدينية.. واستهتار بالقيم الإسلامية الفاضلة ومساس بالسنن الإلهية في الكون، وحتى مع اعتبارنا جدلاً أن ما يرمي إليه أصحاب الدعوة في القضية له جانبه من الصحة.. إلا أنهم يقتصون من السيد “الهاشم” فيما أرجاه رب العباد إلى يوم الدين ﵟفَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١١٣ﵞ ﵝالبَقَرَةِ : ﵓﵑﵑﵜ a. وحرية الاعتقاد كفلها رسول الخلق حين دخل مكة منتصراً.. فنادى من اختلف معه بأن “اذهبوا فانتم الطلقاء”.. عملاً بقول رب البيت ﵟوَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَأٓمَنَ مَن فِـي ٱلۡأَرۡضِ كُلُّهُمۡ جَمِيعًاۚ أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّـىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِيـنَ ٩٩ﵞ ﵝيُونُس : ﵙﵙﵜ a.
لقد امتد الإسلام وساد وانتشر فقط عندما ارتفع دعاته عن صغائر الأمور.. إلى أهمها وأجلها.. أما نحن في هذا الوطن.. فقد زاد ابتعادنا عن لب الدين وجوهره.. وأصبح همنا أن نتلهى بالقشور في دعواتنا الدينية.. حتى لا نبلغ الجذور.. فيعصى علينا التطبيق.
فالإسلام دين كفاح ونضال وثورة.. هذه هي روح الإسلام الحق.. هو دين محاسبة المخطئ والمسيء بحق المجتمع.. وليس بحق نفسه ﵟفَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعۡدَ مَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثۡمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓۚﵞ ﵝالبَقَرَةِ : ﵑﵘﵑﵜ a.
ولعلَّ المحزن المبكي.. أن نحاكم ونقاضي كاتباً عن رأيه.. ونترك اللصوص.. الذين سرقوا قوت الشعب ومقدراته لحساب أنفسهم.. فالجهر بالرأي وإن كان عاصياً.. ليس من كبائر الخروج عن قيم الدين، ولكن السرقة ترقى إلى أم الكبائر.. وقد جاء حكمها وقصاصها واضحاً نصاً وتفسيراً في آيات القرآن الكريم، ولكننا مجتمع دأب على أن يقتص من الصغير ويترك المجرم الكبير لضميره فقط ولتوبته أو عدم توبته.. ونحن بذلك نعتبر مجتمعاً مقصراً لا نؤدي ما علينا من واجبات.. فحق علينا العقاب جميعاً.. ووجبت محاكمتنا على تقصيرنا في القصاص من لصوص الوطن.
لن يرقى الوطن.. ولن يزدهر الإسلام إذا ما تعلمنا مفردات تحية الإسلام.. وكيفية دخول المرحاض.. وترديد دعاء الركوب.. ولكن حتماً سيأمن الوطن إذا نحن أقمنا الحدود التي تحفظه.. وسيسود الإسلام إذا ما مارسناه بروحه الحقيقية فـ ﵟيَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرۡفَعُهُۥﵞ ﵝفَاطِر : ﵐﵑﵜ a.
أما أن نحجب عن المواطن حق الرأي، والفكر العقيدة ونزعم أننا نحمي روح الإسلام وشعائره.. نحاصر أنفسنا برأي واحد وفكر واحد وأجهزة الاتصالات الحديثة تخترق جدراننا.. نجند منابر الدعوة لتفكير الغير.. والإمعان في التعصب.. بدلاً من نشر تعاليم الإسلام الحق.. من تواصل، ورحمة، ومغفرة، فهو ما لن يجعلنا نتقدم خطوة في بناء الوطن.. ولا درجة في خلق المواطن.. فالله والوطن فقط من وراء كل قصد!!
