
حينما أثير موضوع الاستثمار.. والسرقات التي اقترفها أولئك الذين أؤتمنوا على ثروات الوطن.. راود الكثير من أفراد هذا الوطن.. الشك في استمرار التقصي والبحث عن مرتكبي السرقات، وبلغ الشك بالبعض إلى أن جدية البحث عن حقائق كارثة الاستثمار قد تطيح بمجلس الأمة.. تزداد الشكوك عن مدى قدرتنا كمجتمع على وضع الحدود قبل الحلول لمثل هذه التجاوزات.
كارثة الاستثمار تعكس حقيقتين مؤسفتين: أولاهما أسلوب التعامل مع الوطن.. والنظرة الضيّقة وقصيرة المدى في معالجتنا لكثير من القضايا.. سواء سياسية كانت أم اقتصادية.
الحقيقة الأولى أكدتها حيثيات وتوقيت السرقات الأخيرة.. والتي تمت في أوج محنة الوطن.. وفي قمة آلام الاحتلال.. وهي بذلك تعكس حقيقة غالباً ما حاول الكثير إنكارها.. وهي أننا عموماً كدول خليجية لا نملك مقومات الدول الحقيقية.. وأن مجمل العلاقات التي نقيمها مع أوطاننا علاقات مؤقتة.. تقوم على هامش الثروة التي تتيح لكثير منا التحرك.. والتحضير للاستقرار في أوطان وأماكن أخرى.. وقد ظهر ذلك جلياً وواضحاً في أعقاب كارثة الاحتلال.. حيث تزايد إقبال المواطن على تأمين نفسه وحياته ومستقبله في أماكن أخرى.. تفاوتت بين دول عربية.. وأجنبية.
ولعلنا لا نزال نتذكر جيداً.. الأسلوب الذي تعامل من خلاله البعض إبان الأزمة الاقتصادية السابقة.. كارثة المناخ.. وحيث لجأ الكثير بأموالهم إلى دول أخرى.. مدركين جيداً أن الزمن هو دائماً كفيل بإسقاط العقوبات في هذا الوطن.. وهو ما تحقق بالفعل.. خاصة بعد التحرير وعودة الكثير ممن استطاعوا التنصل من مسؤولية مواجهة الأخطاء.. والحفاظ بذلك على أموالهم التي جنوها من أسواق الوطن العامرة آنذاك.
أسلوب المصلحة المادية البحتة في التعامل مع الأوطان.. يعني أن المتضرر الوحيد دوماً.. سيبقى الطبقة الأقل حظاً مادياً.. الطبقة الفقيرة التي استطاعت أن تتعامل مع أشد الظروف قسوة وصلابة.. وهي لا تملك المقومات اللازمة لتأمين المستقبل بعيداً عن الوطن كالآخرين.. وبذلك فلا هي أمنت تعاملاً جاداً وناضجاً مع الأرض.. يعود بالصالح على الجميع.. ولا هي بكل تأكيد قادرة على تأمين مستقبل آخر في وطن آخر.
الحقيقة الثانية من الحقائق المؤسفة التي أكدتها كارثة الاستثمار.. جاءت ممثلة في تعاملنا ضيق الأفق والمحدود لشتَّى أنواع القضايا التي يجابهها الوطن.. فكارثة الاستثمار على فداحة خسائرها.. ليست المعضلة الحقيقية هنا.. فالكارثة الحقيقية تكمن في أسلوب المعالجة الذي نتبعه دوماً في وضع الحلول.. فكارثة الاستثمار قد تكون أكبرها حجماً.. إلا أنها ليست أقلها ضرراً.. بل وعمليات النهب هي ليست وليدة اليوم.. فعمليات النهب كانت دوماً أمراً واقعاً وقائماً منذ بداية تدفق الثروة بهذا الحجم.. والمخضرمون من أبناء هذا الوطن يدركون ذلك جيداً ويحتفظون في ذاكرتهم بالكثير من الروايات عن عمليات نهب لأراضٍ وأموال.. هي ملك للمواطن.. وحق لأبناء الوطن جميعاً..
لم يكن التعامل مع تجاوزات مشابهة لكارثة الاستثمار مبنياً على التسامح والتغاضي.. باعتبار كوننا أسرة واحدة أو قبيلة واحدة.. وكما يحاول البعض دوماً أن يشيعه ويدعيه كتفسير لذلك التساهل في الحد من الاستهتار بثروة ومصير الوطن.. وإنما كان التعامل على أساس ترابط المصالح وتشابكها.. وامتداد ذيول بعض القضايا إلى مناطق محرمة بحسب العرف القائم.. فالدعوة التي أطلقها البعض في الجلسة الأخيرة لمجلس الأمة.. بمحاسبة بعض الأسماء.. ممن تورطوا في كارثة الاستثمار.. هي حتماً ستجر معها أسماء أخرى.. وستفتح أبواباً أمام قضايا كثيرة معلقة أدَّت إلى وضعنا الحالي.. ولعلنا جميعاً لا نزال نتذكر جيداً الأسباب التي سيقت بكونها أدت إلى فشل التعاون بين الحكومة ومجلس 85.. إثر حادثة الاستجواب الشهيرة!!
لسنا البلد الوحيد الذي تعصف به قضايا الفساد.. ولكننا سنبقى البلد الوحيد الذي يفشل دوماً في الفصل بين الأسباب والنتائج.. فعمليات الإصلاح المتعثرة دوماً في هذا الوطن.. تتعثر بسبب الخلط بين السبب والنتيجة والذي هو أكثر معوقات الإصلاح، وقضية سرقات الاستثمار ستبقى دائماً عالقة ومهيأة للتكرار ما لم يتم البت والفصل بين المسببات ونتائجها.
بقي أن نشير إلى أننا في هذا الوطن.. وبعد الكوارث التي ألمت بنا.. أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن نضع حدوداً حاسمة ودائمة.. لا حلولاً مؤقتة أمام مثل هذا الأسلوب في التعامل مع الوطن.. وإما أن نهيئ أنفسنا للتلاشي مستقبلاً..
فالذروة النفطية.. أسعاراً وإنتاجاً آخذة في الهبوط.. والفرص التي كانت متوافرة في ستينيات هذا القرن.. لم تعد قائمة.. ونحن الآن في ذروة العاصفة فإما أن نصمد في وجهها.. أو أن تطيح بنا!!
