غير مصنف

الحج ليس موسماً فقط!

[جريدة القبس 18/12/2007]

اليوم عرفة، يقف فيه المسلمون بين يدي خالقهم ليعيدهم أطهاراً كما ولدتهم أمهاتهم! ويباهي بهم الله الملائكة، وفقاً لما ورد في حديث الرسول c: “إن الله يباهي بأهل عرفة ملائكته، فيقول: يا ملائكتي، انظروا إلى عبادي قد أتوني شعثاً غبراً ضاحين”.
وقفة عرفة، ومناسك الحج بشكل عام، من إحرام وتلبية وطواف وسعي، كلها أفعال ذات مغزى مهم جداً! والمتأمل في جموع المسلمين الواقفين بعرفة لا يملك إلا أن يتساءل عن مدى ما أدركته أمة الإسلام من ذلك المغزى!
واقع المسلمين اليوم يؤكد ولا شك أن المسلمين قد أخفقوا في تحقيق المغزى الحقيقي من الحج بشكل عام! ولنبدأ بالإحرام الذي يهدف إلى إلغاء الفروقات بين الحجيج، وهم في حضرة الله. فالفروقات وإن تغلب عليها توحيد هيئة الإحرام، لكنها استطاعت أن تنفذ وبشكل مقزز أحياناً في حملات الـ VIP، والـ VVIP التي أصبحت تعزز تلك الطبقية المنفرة التي حاربها الرسول c منذ أن أتى برسالته، ففخامة الفنادق وخدمات حملات الحج المفرطة في الرفاهية لا تتناقض مع مغزى الحج وحسب، بل وتجرده من أهم أهدافه ومقاصده!
أما التنظيم والانضباط والدقة في النظام، التي يفرضها منسك الحج فهي غائبة تماماً عن أجندة المسلمين في حياتهم بشكل عام! فالفوضى هي العامل المشترك بين المسلمين اليوم وعدم الدقة والالتزام بالوقت، وحسن استخدامه بالكاد يلمسها المسلم اليوم في محيطه وبين أقرانه!
أما التآخي والرحمة والعلاقة الدافئة والرحيمة التي ينص عليها منسك الحج، فقد أصبحت غائبة بشكل يرسخ العداوة والبغضاء والفرقة بين شعوب المسلمين، الذين أصبح قتالهم فيما بينهم أكثر شراسة من قتالهم لعدوهم!
يحمل الحج في مغزاه الأكبر رسالة مهمة للشعوب وللأمم الأخرى، تقول: إن بإمكان المسلمين أن يتجمعوا وأن تتوحد كلمتهم وجهودهم وأهدافهم! لكن هذا المغزى تلاشى واختفى كما تلاشى غيره من معانٍ سامية تقف وراء منسك الحج! فلم تعد معالم التآخي والوحدة والرحمة موجودة إلا في مواسم الحج، ولم يعد المسلمون مجتمعين إلا في موسم الحج!
إن الدين في جوهره يشكل مصدراً من مصادر الأخلاق، ويعد دستوراً مقدساً ينظم شؤون العباد ويرشدهم إلى صواب العمل والخلق والتعامل! فإذا ما عجز الدين عن تحقيق ذلك يكون هنالك خلل في التطبيق وهو بالتحديد ما يعاني منه المسلمون في زمننا الحاضر!
الأخلاق والسلوك اللذان يتضمنهما الدين ويروج لهما ليسا رهناً لشعائر موسمية يمارسها الحاج أثناء تأديته الفريضة ثم يتجاهلها في شعائر الحياة العامة، بل هي إرشادات وقواعد صالحة دوماً وليست موسمية فقط!
الحج إذاً بمغزاه العام ليس موسماً ينقضي أثره بانقضاء منسكه، وكما هي الحال اليوم، والتي يعكسها واقع المسلمين المحزن، بل هو فرض أبعد بكثير من مجرد إحرام وتلبية ووقوف بعرفة!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى