الأرشيف

الحالة الحلبية

[جريدة القبس 27/12/2016]

أخرجت معركة حلب الأخيرة وبشكل مرعب مخزوناً هائلاً من الطائفية والتعصب الديني والعرقي الذي اتضح أنه يكمن عميقاً في وعي المواطن العربي والمسلم.
كانت الكتابة عن حلب: المعركة والمعاناة والوضع السياسي، وبتجرد مسألة في غاية الصعوبة، فالانحراف الطائفي القبيح طغى على الموقف الإنساني الذي كان يُفترض أن يكون العنوان الرئيسي لما حدث في حلب، فبدلاً من أن تتوجه القلوب لتتحد مع من يعانون تحت ويلات الحرب، رأى البعض في تلك المعاناة فرصة للرقص في ساحة الخلافات المذهبية والعرقية بشكل كان مقززاً في أحيان، ومثيراً للدهشة والاستهجان في أحيان أخرى!
الإرث الطائفي يعود إلى أكثر من أربعة قرون، يخبو أحياناً ويطفو على السطح في مراحل تاريخية أخرى، لكن أبداً لم تنطفئ جذوته، وها هو اليوم يعود بشكل أصبح معه من أبرز أسباب انحراف معارك العرب والمسلمين الحيوية والاستراتيجية، التي جعلتنا ندور في دائرة التخلف والجهل والخرافة، بدلاً من الإبداع والتصنيع والإنتاج!
لقد عاش المسلمون والعرب قروناً طويلة ضمن حلقة الطائفية الضيقة، وهو أمر أدى خصوصاًفي بداية هذا الانشقاق المذهبي إلى حروب ومعارك لا يزال التاريخ الإسلامي يسترجعها! فما الذي تغير إذاً اليوم؟! وما الذي يجعل أصحاب العقول المستنيرة يصرون الآن على التذكير والتحذير من شرارة ولهب الطائفية؟
لا شك في أن السبب هنا يعود إلى أن الهوية الطائفية تحولت اليوم في الغالب إلى برنامج سياسي ومشروع تنافسي جعلا من الهوية والعرق أداة صراع لا يختلف عن أي صراع اقتصادي أو سياسي آخر!
لا نريد أن نلقي بتبعات مثل هذا الانقسام الطائفي على الغرب وحده، على الرغم من أنه يتحمل جزءاً من ذلك، كونه لعب بورقة الانقسام الطائفي لبسط نفوذه في المنطقة! وإنما نريد أن ننظر إلى دواخلنا جميعاً، إلى نزعة الإغراق بهويتنا نحو الطائفة وبشكل يطغى كثيراً ويتداخل سلباً مع مواقفنا الإنسانية، وكما حدث في الحالة الحلبية!
كان من الواضح أن “الخطاب الإنساني” في الحالة الحلبية قد حمل أكثر من لهجة عبّرت عنها وسائل الإعلام، كل بحسب هويته، لكن لم يتحدث أحد منها بلهجة إنسانية خالصة!
فلو كان الحس الإنساني المجرد هو المحرك في الحالة الحلبية، لشهدنا له ارتداداً وامتداداً مشابهاً في الحالة اليمنية التي يفوق ضحايا الجوع فيها ضحايا القصف، والحالة الصومالية التي أصبح فيها الموت هو القاعدة لا الحياة، وفي حالة الموصل التي توسد أهلها الأرض والتحفوا السماء!
للأسف إن أغلب الذين تحدثوا عن حلب في أجهزة الإعلام الرسمي لم يكن دافعهم إنسانياً مجرداً.. وإنما لما تشكّله حلب من أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة للأطراف المتنازعة منذ عهود سابقة!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى