الأرشيف

الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان

[جريدة القبس 12/12/1999]

مع حلول الذكرى السنوية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، نظمت الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان احتفالاً حضره العديد من الشخصيات السياسية والدبلوماسية.
قد يكون من الإنصاف والعدل القول هنا إن وجود هيئة مستقلة غير حكومية كالجمعية الكويتية لحقوق الإنسان يعتبر فخراً لكل قاطن على هذه الأرض، ومبعث اعتزاز وبهجة للكويت كدولة وككيان سياسي مستقل وديمقراطي، ولعل في كلمة رئيس الجمعية السيد جاسم القطامي ما يؤكد ويشير إلى إدراك القائمين على هذه الجمعية لماهية تلك الحقوق ولطبيعتها وحدودها التي لا تخضع للفوارق والمعايير السياسية، وبكونها شأناً دولياً ترعاه وتشرف عليه منظمات عالمية وإقليمية، وليست شأناً داخلياً ضيقاً ومحاصراً بشروط سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية.
هنالك ولا شك مؤشرات ودلالات كثيرة في هذا الوطن، تؤكد مدى حاجتنا لبذر الوعي ونشره بما يتعلق بالحقوق البشرية بشكل عام، أحد تلك المؤشرات كان في تفاصيل إسقاط حق المرأة السياسي، مرسوماً وقانوناً، حيث عبر من خلاله أولئك المعارضون عن درجة تجاهلهم وجهلهم بالحقوق الإنسانية بشكلها الواسع والعام، وبصرف النظر عن الجنس أو الديانة أو الهوية.
وإذا كان سقوط الحق السياسي للمرأة يحمل تذكرة وإشارة إلى ضعف التوجه والوعي بالحقوق البشرية، فإنه كذلك يحمل دعوة حول ضرورة ترسيخ مبادئ حقوق الإنسان في نفوس وأذهان الصغار قبل الكبار، المواطنين قبل الساسة، لأن لا انطلاق ولا تغيير من دون ترسيخ تلك المبادئ أولاً، ولا حقوق سياسية أو غيرها، للمرأة أو للرجل من دون أن تكون البداية من تلك الحقوق.
لذا، فإن المشروع القادم والأكثر إلحاحاً اليوم هو مشروع التعريف بتلك الحقوق، والالتزام بها كوحدة متكاملة لا مجزأة! فمن التناقض أن نتحدث عن حقوق، سياسية كانت أم غيرها، ونحن كمجتمع نمارس انتهاكات حقوقية شبه يومية، أبرزها تلك المتعلقة بالعمالة، وجلبها وتسخيرها، وقضايا البدون، والفرز العنصري للمجتمع، وغير ذلك من انتهاكات أصبحت تشكل تناقضاً صارخاً مع ما نطالب به من حرية وحقوق.
لقد اعتمدت أعتق الديمقراطيات وأرسخها، سواء في القارة الأوروبية أو في الولايات المتحدة الأمريكية، على ما نادت به الثورة الفرنسية وما أرست من مبادئ أساسية ذات صلة بالحقوق الإنسانية من حرية وتعبير ومساواة وإخاء، وبحيث شكلت تلك المبادئ حجر أساس راسخاً وصلباً لكل ما شيدته تلك المجتمعات من إنجازات سواء على الصعيد الاجتماعي أم السياسي.
وإذا كنا في هذا الزمن لا نملك أن نحيي أو نؤسس ثورات تصحيحية كالثورة الفرنسية التي أعادت تشكيل أوروبا ثقافياً وسياسياً فإن بإمكاننا إحياء مبادئ سامية كمبادئ إعلان حقوق الإنسان، وباستطاعتنا استثمار أداء ودور وعطاء جمعية لا تقل في سموها عن سمو المبادئ التي تنادي بها، سواء من خلال المساهمة المباشرة في نشاط وأعمال الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان، أو في الترويج لمبادئها والتمسك بها كسلوك ونهج وتوجه، وترسيخها في نفوس الأبناء وفي وعيهم.
لقد أصبح وجود جمعية كهذه ضرورة للانتماء إلى المجتمع الحداثي، كما أصبح الإيمان بدورها الأساسي في تدشين الديمقراطية، والحفاظ على الحريات الأساسية، دليلاً على درجة النضج التي حققها المجتمع.
لقد كانت الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان، ولا تزال، وستبقى الجسر الذي يصلنا بالعالم المتحضر، وهي السفير الذي يقدمنا لمجتمعات بشرية تقدس حقوق الأفراد وحرياتهم وتثمنها، وعلى الرغم من ذلك الدور البارز للجمعية، وعلى الرغم من أهميتها وحساسيتها، إلا أنها تبقى الأبعد عن الأضواء، والأقل حضوراً في أجهزة الإعلام، مرئية كانت أم سمعية، ليس لشح في الأداء وندرة، وإنما بسبب جدية القائمين عليها، وانهماكهم في الدفاع عن الحقوق والحريات أينما وجدت، وبصورة لم تجعل في أولويات الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان مكاناً ولا مجالاً لبهرجة الإعلام وفلاشاته، بعد أن امتلأ قلب الجمعية وقالبها بالحماس لكل ما هو من حق الإنسان من دون إشارة أو تلميح لمكان أو زمان.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى