الأرشيف

الجريمة والعقاب.. والأمن الهش

[جريدة القبس 5/7/2021]

الأمن الذي يستدعيه تفاعل وقتي مع قضية أو جريمة هو بلا شك أمن هَش، ومن هنا يأتي تفاعلنا مع جريمة، أي جريمة، كمواطنين أو كمسؤولين ليعكس حدود ثقافة الأمن وشروطه لدينا كمجتمع.
وسواء كان ذلك في جريمة الراحلة فرح أكبر أو في الجريمة التي راح ضحيتها الأسبوع الماضي رجل الأمن عبدالعزيز الرشيدي، فإن تفاعلنا كدولة وكمسؤولين وكمواطنين لم يتجاوز مشاعر وأحاسيس الألم تجاه المغدورين أو تعابير الشجب والتذمّر والغضب وتوجيه أصابع الاتهام والنقد للمؤسسة الأمنية، وكلها أمور تتلاشى مع مرور الوقت، ودوران الحياة بأيامها.
قضية الأمن والجريمة بشكل عام ليست قضية موسمية تطفو على السطح عند حدوث جريمة تهز المجتمع ثم تخبو في القاع مع تراجع الضوء عن تفاصيلها وشخوصها، فالأمن قضية مستمرة ومواجهة الجريمة وأسبابها وطرق علاجها هي من صُلب وأساس الاستراتيجية الأمنية لأي مجتمع، وجميع الأجهزة الأمنية في شتى بقاع الأرض تحمل على عاتقها أمانة ومسؤولية الحفاظ على المجتمع وأفراده ومواجهة انتشار الجريمة بشكل مستمر، وليس فقط عند حدوث الجريمة.
اليوم وفي ظل التداعيات النفسية التي خلقتها الكورونا وما صاحبها من عزلة وإغلاق وخسائر مالية، يستعد العالم للتعامل مع جرائم مختلفة في نوعها وليس في عددها، وهنا يكمن جوهر المعضِلة الأمنية القادمة والتي نشهدها كل يوم في سلوك بشري شديد العنف، والأمثلة أكثر من أن تُحصى، ففي مارس الماضي طعن ابن والدته الستينية بالسكين في الأردن، وأطلق أب النار على رأس ابنه العشريني، وطعن رجل طليقته الخمسينية في المحكمة في قلبها، وطعنت أم ابنتها العشرينية، بينما سجّلت الكويت 20 جريمة قتل في عام 2020، و900 اعتداء، وفي مصر يتم ذبح شاب بسبب “جردل ميه”، وسيدة تقتل طفلتي زوجها، ورجل يذبح مواطن ويلقيه في ترعة، وهكذا تتواصل الجرائم التي من الممكن أن تكون قد دفعتها تداعيات الكورونا باتجاه منحى سلوكي جديد في الجريمة.
لقد ثبَت أن العقوبة، مهما بلغت شدّتها وحَزمِها، لن تكفي وحدها لمواجهة جرائم القتل بالتحديد، والذين طالبوا في الكويت بِفَتح قصر نايف (ساحة الإعدام) للحَد من الجريمة، لم يطرحوا حلاً حقيقياً وجذرياً للمشكلة، فالجريمة في أي مجتمع ترتبط وبشكل مباشر بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السائدة فيه وبشكل مُركّب ومُعقّد! وتلك ليست بتكهنات وإنما استنتاجات قائمة على دراسات توصّل إليها باحثون في علم الاجتماع وعلم الجريمة، أحدهم كان عالم الاجتماع “روجر غولد” الذي وجد أن كل معدلات الارتفاع التي طرأت على معدّل جرائم القتل في فرنسا خلال القرن التاسع عشر كانت مُرتَبِطة بفترات من انعدام الاستقرار السياسي، وأن العَيْش في ظل انهيار سياسي يُعتَبَر كافياً لرَفع معدلات جرائم القتل، أما أحد الباحثين في أمريكا فقد توصّل إلى أمر مشابه، حيث لاحظ وجود مُتَغيّرين اثنين ارتبطا، وبشكل مباشر، بارتفاع معدلات جرائم القتل وانخفاضها، وقد كان كلاهما مقياساً لنسبة ثقة المواطنين في الحكومة، وبحيث تم رَصْد ارتفاع معدّل ارتكاب جرائم القتل بالتزامن مع تراجع الثقة في الحكومة.
لا يخلو أي مجتمع بشري من عنصر الجريمة، لذلك فإن الاختلاف بين المجتمعات لما يتعلق بالجرائم هو اختلاف قائم على أساس طرق التعامل مع الجريمة وأساليب الرّدع ومعالجة مثل هذا السلوك وفقاً لمعايير ودراسات علمية، وقد يكون للردع الفردي، بمعنى معاقبة مُرتَكِب الجريمة، فائدة في حالة المجرم هنا، حيث سَيُدرِك بناء على العقوبة تَبَعات أعماله مستقبلاً، لكن هنالك قطعاً ردعاً أبعد من دائرة الفرد، ويهدف إلى الردع الجمعي من خلال بث مسؤولية كل الأفراد تجاه الأمن وهو قطعاً أكثر شمولية وأبعد أهدافاً، فالجريمة في نهاية الأمر هي نتاج لظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية ونفسية مُركّبة، إلا أننا في العالم العربي لا نزال بعيدين عن الطرق المثالية المتّبعة في دول متقدمة استطاعت خططها المدروسة أن تُقنّن الجرائم بكل أشكالها، فلا تزال وسائل مكافحة الجريمة في مجتمعاتنا العربية بشكل عام قاصرة على بهرجة إعلامية يتحدث فيها المسؤولون عن برامج موجهة للشباب، وخطط لتوفير سُبل العيش والعمل الكريم، ونوايا لتحقيق قدر معقول من العدالة الاجتماعية، لكن كل ذلك يبقى في نطاق الطرح الإعلامي الشكلي الذي لا يتجاوز غالباً قاعة المؤتمر أو مكتب المسؤول.
لن نَضمَن عدم تكرار ما حدث لفرح أكبر ولا لعبد العزيز الرشيدي ولا لغيرهم من الضحايا بتطبيق العقوبة وحدها، ما لم يكن هنالك ضامن أشمل وأبعد من مجرد معاقبة الجناة، وذلك من خلال برامج فعلية تكون موجَّهة لإحداث تغيير في النمط السلوكي للأفراد، ومتابعة التنشئة الاجتماعية لمنع الانحرافات في مراحل مبكرة من العمر، وبَث قدر معقول من العدالة في المجتمع.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى