الجريمة أحياناً تفيد!!

إذا كانت مأساتنا مع نظام الحكم في بغداد قد بدأت يوم الثاني من أغسطس عام 1990.. فإن مأساة العراق كانت وما زالت كابوساً مظلماً منذ ما يزيد على ربع القرن!! وذلك قبل أن تمتد المأساة وتخرج من إطارها الداخلي الضيق لتصبح شأناً عالمياً.. وهماً دولياً.. بعد أن هدد الوجود البعثي على سدة الحكم في بغداد.. مصادر الطاقة.. وشريان الحياة لمصانع الغرب الصناعي!!
وانطلاقاً من تلك القناعة الدولية.. بوجوب الحفاظ على مصادر الطاقة.. وحمايتها من تهديد العابثين المتهورين!! جاءت المبادرة العالمية لدرء العدوان عن هذا الوطن.. وتقليص نشاط بعض الطامحين في الهيمنة على الأرض والطاقة!!
وإذا كانت تلك هي الدوافع الحقيقية وراء ذلك التحرك والتكاتف الدولي!! فإن آداب الإتيكيت الغربي قد أبت في بداية الأمر أن تعلن صراحة عن تلك الدوافع المادية البحتة.. وأصرت الدبلوماسية الغربية.. أن تغلفها برداء الأخلاقيات.. وتضيف إليها توابل مبادئ الحقوق البشرية.. والدوافع الإنسانية النبيلة!!
حين هاجمت في هجعة الليل جحافل نظام بغداد بلداً آمناً.. مطمئناً.. كان الرفض العالمي متماشياً مع المبادئ الإنسانية التي أعلنها المجتمع الدولي في وثيقة حقوق الإنسان!! فجاءت أولى وعود وتعهدات الغرب بزعامة المعسكر الأمريكي.. بأن يكون التعامل صارماً مع هذه الكارثة حتى تكون عبرة لمن يريد أن يعتبر!! وكانت أولى كلمات الرئيس الأمريكي آنذاك تعلن أن على رئيس النظام العراقي أن يعلم جيداً أن الجريمة لا تفيد!! بحيث أصبحت كلماته تلك شعاراً للتحرك الدولي آنذاك لدرء العدوان!!
الآن وبعد مرور ما يزيد على الأعوام الخمسة.. بقي فيها المجرم يتلذذ بنتاج جريمته!! يتساءل البعض عن مدى صدق ذلك الشعار!! وعن المساحة الشاسعة التي أصبحت تفصل بين ما نؤمن به من قيم وأخلاق.. وبين ما تفرزه أرض الواقع من حقائق ماثلة أمامنا.. تحرجنا دوماً نحن عالم الكبار حين نصر على تلقين الصغار الجريمة.. لا تفيد.. وأن البقاء للخير.. وأن لا دوام ولا استمرار للشر.. ولا للأشرار!!
لعلَّ أطر ما أفرزه بقاء شخص مثل رئيس النظام العراقي ما يزيد على ربع القرن.. على الرغم من كل السلبيات والمخاطر التي جلبها وجوده سواء للإنسان أو للأرض أو للبيئة!! أخطر ما في استمرار صدام حسين.. هو حالة التناقض التي يخلقها بقاؤه بين ما نؤمن به من قيم.. وبين ما هو حقائق قائمة!! فلقد أوجد استمرار صدام حسين سابقة قد ترسخ في ضمير وذهن من يحملون طموحات شريرة مماثلة!! لن يخشوا الإفصاح عنها.. والسعي إلى تحقيقها بعد المكاسب التي حققها صدام حسين.. وعلى مدى ما يزيد على ربع القرن قضاها في قمة الهرم العراقي!! وهي مكاسب حظي خلالها بتأييد واسع النطاق.. ليس من بسطاء الشارع العربي وسذجه.. وإنما من مثقفين ورواد علم وزعماء ومناضلين سياسيين. ممن لم تكن سلبياته كرئيس وطغيانه كقائد.. خافية عليهم!!
ولم تقتصر سلبيات رئيس النظام العراقي على دمويته وعنفه وطغيانه!! بل كانت كذلك في إدارته بشكل عام!! فلقد تراجع الاقتصاد العراقي.. حتى من قبل أن يفرض الحصار الدولي.. ليدخل العراق في نفق مظلم من الخراب والدمار!! حتى لقد بلغت خسائر الأسلحة والعتاد في أعقاب الحرب العراقية – الإيرانية ما يقارب المائة بليون دولار.. بالإضافة إلى التدهور الذي أصاب البنى التحتية.. وخسارة الأنفس البشرية!! بل قد يكفي مؤشراً على سوء الإدارة أن يشكل النفط ٪95 من الصادرات في بلد يخترقه نهران أرسيا أولى الحضارات البشرية!! وتراب يضاهي الذهب في قيمته!!
إلا أنه وعلى الرغم من كل ذلك.. فقد استطاع صدام حسين أن يبقى.. بل وأن يعلن في أحيان كثيرة قائداً وزعيماً للأمة العربية.. لا للعراق وحده! وأن يعجز عن الإطاحة به ما يزيد عن المليون عراقي يعيشون في المنفى.. ويتمتعون بحريات كافية تبيح لهم تنظيم صفوفهم وجهودهم!!
لقد بات على صدام حسين أن يمضي.. وأن يتلاشى من ذاكرتنا جميعاً!! لا لأنه غزا وطناً آمناً.. ولا لأنه أشعل أطول الحروب أمداً في تاريخ المنطقة.. ولا لأنه جرد العراق من كل مقومات الحياة والعيش الكريم!! وإنما لأن بقاءه يخلق في ضمائرنا وأخلاقنا تناقضاً حاداً وبشعاً.. قد لا نعي تبعاته الآن.. ولا مخاطره.. إلى أن يأتي علينا يوم.. تصبح القاعدة فيه أن الجريمة أحياناً تفيد.. وأن الشر ليس دائماً أمراً سيئاً!!
