ملفات ساخنة

الجبهة الكويتية لتصحيح المسار

الجبهة الكويتية لتصحيح المسار

عند أحد مراكز بيع وتوزيع الصحف والمجلات في العاصمة البريطانية، وقف شاب سوداني في مقتبل العمر يتعيش من وراء بيع الصحف خاصة للزائرين العرب. وحين رآني أدفع إليه بجريدة “الطليعة” تساءل عن خط وتوجهات هذه الجريدة، ثم دار بيننا حوار حول الأوضاع في السودان، وكان حواراً بث فيه ذلك الشاب من الشجون الكثير، وهو يتحسر على ما آلت إليه الحال في السودان وعن الفساد والطغيان المتخفي برداء الدين والشريعة، باختصار كان حديثاً عن الهموم السودانية والتي يرى فيها ذلك الشاب شراسة تفوق كل الهموم العربية الأخرى، مشيراً بالتحديد إلى همومنا الخليجية حيث تبقى أخف وطأة وشراسة، وقد يكون في حديث ذلك الشاب شيء من الحقيقة، لكنها قطعاً ليست بالحقيقة كلها. فالهم الخليجي وإن كان أخف شراسة من الهم السوداني، إلا أنه سيبقى قائماً، وعرضة للتصاعد والنمو، ما بقيت الهموم السودانية قائمة. وتلك حقيقة تؤكدها لنا وقائع كثيرة كان أحدها لا جميعها كارثة الغزو البشع.
تذكرت ذلك الحوار وأنا أتابع محاولات البعض التنصل من الدعوة التي أعلنها بعضهم لتأسيس جمعية تكفيرية غرضها إقامة الحدود الشرعية الإسلامية دون تفويض القضاء، وعلى الرغم من أن دعوة كهذه تأتي ممهورة برغبات أولئك الذين يحاولون إنكارها، إلا أن ممارساتهم اللفظية والفكرية تدينهم، وتدحض أفكارهم. وتدفعنا جميعاً لأن نقاوم محاولات كهذه، قد تجعلنا نضاهي الهم السوداني في شراسته، والعنف الجزائري في دمويته وإرهابه ومجازره، خاصة أن الهموم والقلاقل لا تعترف بحدود جغرافية، ولا بقوانين تنظيمية. والفكر لا يخضع للتعرفة الجمركية، ولا للقوانين الضريبية وستبقى دعوته مفتوحة ما بقي الهم السوداني والعنف الجزائري مفتوحين.
لن يجد كل من قرأ بيان تأسيس الجمعية التكفيرية الكويتية اختلافاً يذكر بين ما دعت إليه، وبين ما تدعو إليه حركات الإسلام السياسي سواء في السودان أم في الجزائر أم في غيرهما. فكما أن هناك تشابهاً فكرياً تاماً في الخطاب الديني بشكل عام وفي أي مكان من الخريطة العربية كذلك يوجد تشابه في آليات الخطاب الديني وفي أسلوب فرضه ونشر مبادئه وتعاليمه. لذا فإن القول بأن هنالك اختلافاً في نهج حركات الإسلام السياسي والجمعيات الدينية، ما هو إلا قول واهم. فمبدأ (الحاكمية) الذي تصر عليه، وتعلنه حركات دينية سياسية في بعض الدول العربية، هو لا شك مبدأ متفق عليه؛ فالحاكمية التي تتضمن دعوة لرفض وإنكار أي وضع يكون فيه الحكم للبشر، هي بلا شك ليست بمحط خلاف بين جماعات الإسلام السياسي. إلا أن الاختلاف بينها هو في مدى قدرتها على تكفير الحاكم والنظام السياسي، والتي لا تزال تشكل أزمة بسبب الاختلافات الجوهرية في الأنظمة السياسية ومساحة الحرية والتعبير.
لقد حاول أحد المدافعين عن الجمعيات والحركات الإسلامية في هذا الوطن، أن يصنفهم إلى ثلاثة أقسام بما يتعلق بثقافتهم السياسية: قسم يريد وجه الله ولكنه أصيب بإحباط نتيجة استعجاله النتائج، وقسم جعل هذا الدين مطية للوصول إلى أطماعه السياسية، وقسم يريد وجه الله وهدياً إلى الصراط المستقيم. أي بمعنى آخر، هو تقسيم يرمي إلى التمييز بين إسلام سياسي معتدل وآخر متطرف، وهو أمر لا شك تدحضه حالات عربية عديدة، حاولت حركات الإسلام السياسي فيها التمسك بذلك التمييز. إن الحديث عن التطرف والاعتدال هو بلا شك حديث دنيوي خالص لا علاقة له بالدين. بل نستطيع القول إنه تصنيف سياسي بحت، تلجأ إليه حركات الإسلام السياسي في محاولاتها للاستمرار تحت أنظمتها السياسية المختلفة. فالفرق بين الحركات الإسلامية المعتدلة، والمتطرفة منها ليس فرقاً أساسياً على مبادئ التكفير، وتغيير المنكر باليد، كما أن الخلاف بين هؤلاء ليس خلافاً حول تكفير المجتمع والحاكم، ولا هو حول إقامة الحدود دون إذن الحاكم أو القضاء، وإنما هو خلاف شكلي حول ظروف وفرص التطبيق ليس إلا.
لذا فإن الفرق الحقيقي بين (المتطرفين) وبين (المعتدلين) يكمن في جهر المتطرفين وعلانيتهم في التكفير، وفي تغيير المنكر باليد وذلك في مقابل حيطة المعتدلين وهمسهم، وحذرهم. وإلا ما معنى أن يقف الجميع صامتين صمتاً مطبقاً أمام مجازر الدماء والأشلاء في الجزائر!!
الخلاف إذا بين الإسلام (المعتدل) والإسلام (المتطرف) هو خلاف ظاهري، والجدل بين الاتجاهين ليس سوى جدل مفتعل. بينما يأتي الاتفاق، اتفاقاً جوهرياً يساوي بين جبهة الإنقاذ الجزائرية وتصحيح المسار الكويتية!! أو كما رآها صديقنا السوداني اتفاقاً مطلقاً ومساواة بين الهموم العربية!! تشهر على إثرها الجبهة الكويتية لتصحيح المسار!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى