غير مصنف

الجامعة.. وشرارة التحدي

[جريدة القبس 7/4/1997]

نشرت “القبس” في الأسبوع الماضي، تقريراً حول استراتيجية القبول في جامعة الكويت، بعد أن أثار القرار الرامي إلى رفع نسبة القبول للعام الجامعي المقبل 97/98، مخاوف الكثير من أن يدفع القرار بأزمة جديدة في الحرم الجامعي. نسبة القبول الجديدة ستكون ٪67 للعلمي و٪73 لأدبي، مقارنة بنسبة القبول في الجامعة عد إنشائها في العام 1966، والتي كانت ٪55 للعلمي، و٪60 للأدبي. ولم تتغير تلك النسبة إلا في العام 1985، حين ارتفعت إلى ٪62.2 للعلمي و٪68.2 للأدبي.
لقد مرثلاثون عاماً على إنشاء الجامعة، ثلاثون عاماً شهد فيها العالم من حولنا مستجدات عديدة وفي شتى المجالات، وتقف فيها البشرية أمام إحدى أهم ثورات العصر الحديث، إن لم تكن أهم الثورات في تاريخ البشر. فالثورة المعلوماتية قد فرضت شروطاً قاسية، وتحديات جسيمة تتطلب أداء أفضل للانصهار في المجتمع البشري الحديث. ولقد انعكست هذه الثورة على كل مجالات الحياة، وإن كان للتعليم فيها نصيب أكبر، لكونه الأداة الأساسية نحو إعداد الفرد وبناء المجتمع.
لذلك فقد شهدنا محاولات دولية لتحديث التعليم بصورة جذرية، طالت المناهج، والمعلم والمؤسسات التعليمية.
جامعة الكويت هي جزء من الجسم الأكاديمي العالمي، وبقاؤها كذلك يتطلب منها تطويراً لمناهجها ولطلابها، يؤهلها ويؤهلهم للاستمرار في سباق العلم، وتحديات الثورة الجديدة.
عملية رفع نسبة القبول في الجامعة، هي واحدة من محاولات الانصهار والسير في ركب البشرية الحديث. حيث تفرض النسبة الجديدة تحدياً جديداً لطالب العلم، مشابهاً في صورته لتحديات العصر الحديث.
هنالك، ولا شك، تردّ واضح في مستوى الطالب الجامعي يتطلب قراراً وقفزة بهذه الصورة، وهو ترد قد لا يخفى على المشرفين على العملية التعليمية في الجامعة. وقد تكون مسبباته أكثر عمقاً وتعقيداً من مجرد نسبة قبول متدنية ومنخفضة، إلا أن الحاجة اليوم قد أصبحت تلح علينا لأن نبدأ في إصلاح ذلك التردي من مكان ما، وأن نعلن نقطة بداية للانطلاق نحو مخرجات تعليمية أفضل وأكفأ.
المعارضون لرفع نسبة القبول الجامعية، يرون حجتهم في أن ذلك سيؤدي (ظلماً) إلى حرمان طلبة كثيرين من فرصة التعليم الجامعي. وهو أمر، وإن كان صحيحاً، إلا أنه لا يمنع أن تكون تلك خطوة أولية في الطريق الصحيح. خاصة أن تحديات القرن المقبل تتطلب تحسناً كيفياً لا كمياً.
قد لا تكون، مهمة التحسين النوعي، كما ذكرنا سابقاً، قصراً على الجامعة وحسب، وقد تكون أسباب التردي التعليمي متشعبة ومتداخلة، لها جذورها السياسية والاجتماعية، قبل التعليمية. غير أن الدور المفروض من الجامعة يتعين عليها كهيئة تعليمية عالية، أن تبادر لإصلاح ذلك التردي والخلل في مخرجات التعليم في هذا الوطن. وأن تلعب دورها الرائد في عملية الفرز الكيفي.
لعلّ أكثر المشاكل التي يواجهها التعليم الجامعي الآن، ليس في تدني مستوى الطالب وحسب وإنما، في تراجع، إن لم يكن انعدام، الروح التنافسية، والتحدي الذي يعتبر الرافد الأساسي نحو تحسين الأداء، والتوق للأفضل علماً واطلاعاً وثقافة. فنحن نتحدث هنا عن طالب جامعي لا يحسن استخدام المكتبة، وإن استخدمها فإنها تأتي كشيء ثانوي في تحصيله العلمي. طالب تُعَّد البحوث له وتنجزها شركات ومكاتب نظير مبالغ مالية معينة. طالب يدخل الحرم الجامعي ممسكاً بهاتفه النقال في يد، ومقود السيارة الفارهة في اليد الأخرى. طالب جرده المجتمع من كل التحديات التي يواجهها الفرد في بداية حياته، ولم يبق سوى تحدي العلم والمعرفة.
رفع نسبة القبول في الجامعة ليس قراراً جائراً ولا ظالماً، بل خطوة أولى نحو خلق مناخ تنافسي، يكون التحدي فيه حافزاً للحركة وللتطوير، وندشن من خلاله سياسة جديدة في شروط تقييم الفرد، وتميزه في المجتمع فليكن قرار الجامعة هذا، شرارة التحدي في لهيب التنافس العلمي العالمي المحموم.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى