التيار الديني في مدرسة التاريخ

التيار الديني في مدرسة التاريخ
على الرغم من كل مظاهر الأسى والأسف التي أثارتها (ملحمة) الاستجواب (الإسلامية) مؤخراً!! إلا أن مظاهر القلق ومؤشرات الخطر الحقيقية فيما حدث لا تكمن في الاستجواب ذاته، ولا فيما قد يؤدي إليه، حتى وإن كان ذلك استقالة وزير الإعلام!! وإنما هي في اللغة والنهج الجديد الذي أصبح يغلف طرح الإسلام السياسي مؤخراً!!
إن قراءة متأنية لمسلسل التحرك والعمل الإسلامي السياسي في هذا الوطن، تكشف عن حقيقة الأهداف البعيدة المدى لذلك التيار والتي طالما أنكرها أقطابه ورواده!! فمن محاولات دؤوبة للسيطرة على كل مؤسسات الدولة، إلى جهود مكثفة لإجراء التعديل المطلوب على المادة الثانية من الدستور، كذلك تأتي مهادنة تيار الإسلام السياسي للحكومة في قضايا وطنية كالفساد، على أمل الحصول على قبول يمهد لهذا التيار مزيداً من التغلغل في مؤسسات الدولة الحساسة!! بالإضافة إلى المحاولات المستمرة لتوحيد صفوف كل تيارات الإسلام السياسي على اختلاف فكرها وطرحها!! كل تلك التحركات تحمل مؤشرات ودلائل على بدء مرحلة جديدة في نشاط الإسلام السياسي في هذا الوطن طالما أنكرها أقطاب ذلك التيار، وهي مرحلة قد لا تكون مألوفة لدينا، وإن كانت ملامحها آخذة في التكون والتشكل بوضوح!!
ففي الحوار الذي جمع بين الدكتور أحمد البغدادي، والدكتور الطبطبائي، والذي بثته شبكة “قناة أوربت” مؤخراً!! أبدى فيه الدكتور الطبطبائي حماساً شديداً لتوضيح ملامح الاختلاف في صراع التيارات السياسية بين الكويت من جهة ودول أخرى من جهة أخرى!! حيث ركز الدكتور الطبطبائي على أن الصراع في الكويت هو صراع ضمن الدائرة التشريعية، وليس صراعاً على السلطة، حيث نتمتع نحن بدستور واضح المعالم فيما يتعلق بالحق في السلطة!!
والتنويه الذي أعلنه الدكتور هنا فيما يتعلق بماهية صراع التيارات السياسية في هذا الوطن، هو تنويه طالما حرصت عليه التيارات الدينية وعبرت عنه في أكثر من مناسبة!! وإن كانت محاولات تخذلها في أحيان كثيرة وتكشفها ممارسات للتيارات الدينية، تؤكد طبيعة أهدافها وتحركاتها!!
المواجهة الأخيرة التي أفرزها استجواب وزير الإعلام بين الحكومة من جهة، وتيارات الإسلام السياسي من جهة أخرى، كان ينقصها مكاشفة ومصارحة أكثر، لحسم ذلك التمويه والرموز الذي طالما سيطر على نشاط الإسلام السياسي!!
خاصة إن كلا الطرفين مدرك لنوايا الطرف الآخر!! فالإيحاء بمشروعية الصراع على السلطة، والذي أصبح مسيطراً على طرح التيار الديني مؤخراً، وإن كان بصورة مبطنة وغير معلنة أصبح واضحاً لكل متابع وإن أنكرته تلك التيارات!!
لا شك أن التيار الديني في هذا الوطن، قد سقط، وكما بيَّنت لنا (ملحمة) الاستجواب، في ذات الخطأ الذي طالما سقطت فيه تيارات الإسلام السياسي في دول عربية اخرى!! حين تسقط تلك التحالفات المؤقتة بين السلطات السياسية في تلك الدول من جهة والتيارات الدينية من جهة أخرى!! وكما حدث في مصر الخمسينيات حين أسقط التيار الديني يومها قيم الثورة على الإسلام وسخرها بصورة نفعية وحزبية مطلقة، وذلك قبل أن يتفجر الصراع ويحدث الصدام بين الأخوان ونظام يوليو الستينيات، وما تبعه من فرز أدى إلى تصفيات لم تخل من العنف والدموية!! وذلك قبل أن يعود في مطلع الثمانينيات ليهادن روح وقيم الإسلام (الساداتي) في محاولة منه لالتقاط أنفاسه وإعادة ترتيب أوراقه وأولوياته، وبناء ما تهدم وتساقط من بنيانه وتكوينه!! ثم ليعود من جديد إلى (نضاله) السياسي في وجه السلطة، وكما نشهد وتشهد مصر في يومنا الحاضر!!
نحن قطعاً لا نريد أن نصل بهذا الوطن إلى ما وصلت إليه دول عربية أخرى من صراعات سياسية مجدبة لا تؤمن مردوداً إيجابياً لأحد على الإطلاق!! والأمر يتطلب منا أولاً وقبل أي شي مصارحة ومكاشفة، ونبذ للغة الرمز وأسلوب التمويه والمراوغة الذي طالما سيطر على مناخنا السياسي بوجه عام!! فالتيار الديني مدرك لأهدافه، والسلطة السياسية لا تجهل تلك الأهداف!! وبما أن الصراع على السلطة مسألة محسومة في هذا الوطن، ثم حسمها من خلال الدستور، وتدخل في التكوين الأساسي للدولة!! فإن الاستمرار في افتعال الأزمات والاختلافات لتمويه الغرض الحقيقي من ورائها هو أمر سيقود الجميع إلى محطة اللاعودة!! ولن يجني من ورائه المواطن سوى تأجيل لمشاريع التنمية، وتسويف لكل ما فيه صالح الوطن والمواطن!! إن لم يكن سقوطاً في مستنقعات العنف والإرهاب التي سقط فيها قبلنا الكثير!! وتلك ليست دعوة تشاؤمية، وإنما قراءة متأنية لتجارب الآخرين، وإدراك وفهم لدروس التاريخ ومدرسته الحافلة بروايات ذات مغزى لمن يريد أن يتعلم!!
