
التكويت كان دوماً الحديث الشاغل بين أفراد هذا الوطن.. تكويت الوظائف.. تكويت المستشفيات.. تكويت القضاء.. إلخ.. الكل يرغب في أن يتحول زمام الأمور في هذا الوطن إلى أيد كويتية.. إلا أننا نغفل جانباً هاماً في هذه القضية.. فالرغبة لا يمكن أن تصبح واقع دون جهد ملموس.. فالتكويت يعني ببساطة أن تصبح غالبية قوة العمل في هذا الوطن من أبنائه.. فهل نحن أبناء هذا الوطن.. مستعدون حقاً لتلك المسؤولية؟! فالتكويت لا يمكن أن يأتي بقرار أو رغبة حكومية ما لم يواكب ذلك القرار إحساس جماعي بالمسؤولية.. وإذا كانت القرارات في مسألة تكويت الوظائف مستمرة.. فإنها قرارات لا تنبع من الوقائع والمعطيات في هذا الوطن وإنما تستمد وجودها من عالم الآمال والأمنيات.
كويت ما بعد الاستقلال.. وإلى ما قبل تجربة الغزو كانت غارقة في الفوضى المتأصلة في النشاط الاقتصادي نتيجة لتدفقات أموال النفط.. مما حد من إمكانية تحقيق تلك الرغبة.. وأعني رغبة تكويت الوظائف.. فالربح السريع وسط أجواء المضاربة الاقتصادية في ذلك الزمن كانت تلعب دورها في إخماد جذوة الطموح والتحدي في مجال العمل لدى الكثير من قوة العمل في هذا الوطن.. ففرص الربح كثيرة.. والمال أكثر!! وقد لا يستطيع أحد أن ينكر أن كل الجهود الماضية لتطبيق سياسة التكويت كانت في مجملها تدابير جزئية.. أغفلت في كثير من الأحيان جوهر الأمور المتمثل في حاجتنا لتنظيم البنية الإنتاجية الداخلية.. والحد من فوضى النشاط الاقتصادي.. إضافة إلى توعية الفرد الكويتي إلى أهمية الجانب المعنوي للعمل وليس المادي فقط.
التكويت ما قبل الغزو، كان شبه مستحيل تحت تركيبة سكانية يمثل أفراد الوطن فيها ثلث إجمالي عدد السكان.. وكوادر بشرية وافدة في كافة مجالات الخدمات كالتعليم والتطبيب.. وقد يبدو ذلك صحيحاً من وجهة نظر المنطق المجرد، حتى نار البركان.. فأملى الواقع نظرة مختلفة ومنطقاً مغايراً.. وأصبح تكويت العمل حاجة وليس رغبة.. وبعد أن غادر الوطن غالبية قوة العمل السابقة، ووجد الذين ينادون بالتكويت أنفسهم أمام واقع يتطلب منهم عطاء جدي ومستمر لسد فراغ النازحين.. وأصبحت الترقيات في المناصب تتم بأسلوب عشوائي في كل مجالات الوطن.. تحدوها اللهفة للحاق بموكب البناء والتعمير.
ودارت عجلة العمل من جديد في كل مرافق الوطن.. بعد توقف دام سبعة أشهر.. ويوماً بعد يوم بدأت السلبيات المعهودة في الظهور.. وتفشى الكسل.. واللامبالاة.. وعدم الشعور بالمسؤولية.. وسوء الإدارة.. وأصبح الذين ينادون دوماً أن الفرص تعطى لغيرهم.. ولا تقف عندهم.. أمام الامتحان الصعب.
لعلَّ أهم ما يعوقنا حقاً في تكويت الوظائف.. هو فهمنا الخاطئ للعمل.. فالعمل قبل أن يكون مصدراً للرزق.. وأساساً لتلبية متطلبات الحياة.. هو إحساس رائع بمدى وعيناً لذاتنا.. وكيف أننا نحقق وجودنا من خلال هذا الوعي.. فقيمة الإنسان تتحدد بمدى قدرته على العطاء.. ونحن كأفراد في هذا الوطن لم نصل بعد إلى هذه المرحلة من الرقي المجتمعي.. فلا زال البعض – وأكرر البعض – يتعامل مع الوظيفة على أنها شغل لوقت الفراغ.. ومناسبة للقاء الأصحاب.. وقد يتضح ذلك أكثر من خلال إصرار الأصدقاء على العمل في مجال ومؤسسة واحدة.. حرصاً على إضافة عنصر التشويق للعمل!! ويسوقني الحديث هنا إلى قصة المدرسة التي رفضت الانتقال إلى مدرسة أخرى لتغطية النقص الشديد هناك.. بحجة أنها ستكون بعيدة عن صديقاتها.. هذه المدرسة كانت من المتعصبين لتكويت الوظائف.. أنكرت ذلك حين تضاربت مصالحها الشخصية مع المصالح الحيوية للمجتمع ككل.
إن إعادة البناء تحتاج إلى تدمير كل ما هو قديم.. وراكد.. وكل ما يؤدي إلى إعاقة التقدم والنمو.. فبدون التدمير لا يمكن أن ننظف الموقع لبناء جديد.. وبدون أن نصحح مفاهيمنا الخاطئة في سياسة التكويت أو في تقديرنا للقيمة السامية للعمل.. ستظل كل خطواتنا إلى الخلف.. ولن نخطو إلى الإمام أبداً.. ما لم نتيقن بأن قيمتنا كأفراد تتحدد من خلال مدى تأثيرنا الإيجابي في العمل.. وخلال تواجدنا في هذه الحياة وكجزء من هذا الوطن.. والعمل بالطبع لا يعني فقط التواجد في مكان العمل.. وإنما من خلال العمل الجدي لتحقيق الأهداف التي يسعى إليها الوطن.. وبذل الجهود الجدية في العمل والتي توصلنا لتلك الأهداف.
قد يكون قرار الحكومة بتكويت الوظائف.. وعلى وجه الخصوص في مرحلة ما قبل الغزو.. هو وراء التخبط الذي واكب سياسة التوظيف بوجه عام.. فقرار كهذا لا يمكن أن يكون مرتبطاً بفترة زمنية محددة ودون إصلاح جذري وحازم للعقبات التي تعرقل تطبيقه.. وأعني بذلك نظام الإدارة الاقتصادية في هذا الوطن.. ونظرة المواطن أياً كانت درجته الوظيفية إلى أمانة وقدسية العمل.. وإلا كانت كل الجهود محاولات ارتجالية لذر الرماد في العيون ليس إلا.
إن العمل مسؤولية وأمانة قبل أن يكون حق لكل مواطن.. وحيث أننا لا يمكن أن نطور قدراتنا على إنجاز العمل بمعزل عن المفاهيم الاقتصادية والاجتماعية السائدة في المجتمع.. فإن أي محاولة للتكويت دون توفير معطيات اقتصادية واضحة.. ومفاهيم اجتماعية تدين بقدسية العمل.. ستكون إهداراً للوقت ولهواً.. فالعمل أيضاً كما الحياة تحدي.. فإذا انتفى ذلك التحدي من حياتنا فسيان سرنا إلى الأمام أو إلى الوراء.. لا فرق.. والوضع الحالي لا يبشر أبداً بالسير إلى الأمام فأين التحدي الذي يواجهه شاب في مقتبل العمر يتصدر أعلى المناصب في إدارة الوطن!! وأين التحدي الذي يواجهه طالب الجامعة وهو يقود المرسيدس في سعيه وطلبه للعلم!!
وأخيراً.. كلمة لا بد منها.. وحتى نتحاشى الانزلاق في مهاوي الفهم الخاطئ للتكويت.. إن العمل هو إحساس نابع من النفس البشرية بالخوف والوجل من أن تهدر الحياة دون ممارسة الدور المطلوب.
