
في آخر حديث له، وقبل أن يغيبه الموت، سلط العالم والمفكر الإسلامي “محمد الغزالي” الضوء على المشاكل التي أصبحت تعاني منها المجتمعات الإسلامية، وعلى التراجع الذي أصاب المفكرين والدعاة الإسلاميين. مؤكداً أن واقعنا اليوم، حكومات فرعونية، ومتدينون منشغلون بالقمامات الفكرية ومتخصصون بالتفاهات، كما يرى “الغزالي” رحمه الله، أننا وكمجتمعات إسلامية لا نزال نتجادل هل حديث التوسل صحيح أم ضعيف وهل الحكم لبني هاشم أم لأسر أخرى!!
“الغزالي” كان يرى – وهو لا شك محق في رؤيته تلك – أن الإسلام تغلب على بيزنطة لأنه كان ديناً علمانياً أكثر من المسيحية، وأن مستقبل الإسلام في مهب الريح إذا ظل العفن يحتل آفاق الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
رحم الله الإمام المفكر “محمد الغزالي”، فلقد كان في فكره الإسلامي المستنير، والخالي من أي غرض سياسي أو هدف اقتصادي أو دنيوي ضيق، كان منارة تنير الطريق أمام المخلصين الحريصين على الإسلام ديناً وحضارةً وتراثاً.
وما أحوجنا اليوم إلى عالم في منزلة وحرص “الغزالي” ليزيل ذلك الخلط بين الدفاع عن الإسلام ديناً وعقيدة، وبين الدفاع عن المصالح الشخصية الضيقة، والطموحات العملية والوظيفية الزائفة!!
الجدل الأخير، الذي دار حول الاستخدام اللفظي واللغوي الخاطئ في الحديث عن الرسول، يؤكد حقيقة مؤسفة وهي أننا كمسلمين أقل الناس قدرة في الدفاع عن الرسول مبعوثاً والإسلام إرثاً خالداً وتلك مشكلة تعاني منها المجتمعات الإسلامية الحديثة، بصورة كثيراً ما شوهت وجه الإسلام ونبراسه.
كم كان بودنا لو أن ذلك الجدل اللغوي الذي أثاره بعض الزاعقين باسم الدين، والجاهلين بتراثه وإرثه التاريخي العريق، نقول كم كان بودنا لو أنهم تعمقوا في جدلهم ذاك، ودافعوا عن الإسلام بالإسلام نفسه، وزادوا عن الرسول بتاريخ الرسول ذاته. لكن ذلك ما لم يحدث، لأن النقاش والجدل الموضوعي مسألة تتطلب بحثاً ودراسة، وهم يستسهلون قذف الآخرين بالكفر، والخروج عن الدين، عن البحث الجاد والهادف للدفاع عن الإسلام ورسوله. كان بإمكان هؤلاء الدفاع عن الرسول بإبراز أهمية المرحلة والدعوة المكية، والتي تعتبر جزءاً مهماً من الدعوة المحمدية، كان بإمكانهم لو كانوا جادين في الدفاع عن الرسول اغتنام هذه الفرصة، لإعادة الاهتمام والمراسلة للمرحلة المكية، والتي غالباً ما أغفلها بحث الباحثين من علماء الإسلام.
لقد جاء الطرح الفكري الشامل للدعوة المحمدية في أثناء المرحلة المكية، حيث تعرض القرآن أثناءها واستعرض كل الأمور والنواحي الإنسانية، فذكر أصل الإنسان والكون والقضاء والقدر، واليوم الآخر والحساب والثواب.
وقد كان في ذلك الطرح حداثة وتقدم لم تعهدهما الجزيرة العربية من قبل، استطاع الإسلام من خلالهما أن يبني أرضية صلبة، انطلق من خلالها للمواجهة العسكرية والقتالية أمام المشركين والكفار آنذاك وشيد دولة الإسلام التي وصلت إلى ما وصلت إليه!
لقد شكلت المرحلة المكية أساس المواقف العقائدية في الإسلام، فكانت أغلب المواجهات بين المسلمين ومشركي مكة، مواجهات فكرية عقائدية أرست أسس التعامل في الإسلام. وأكدت للمشركين صلابة جبهة المسلمين على الرغم من قدراتهم القتالية المحدودة آنذاك.
لقد مهدت المرحلة المكية لمرحلة التشريع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في المدينة في ما بعد مرسخة المفاهيم الإسلامية في العقيدة والمعاملة والأخلاق. المرحلة المكية إذن زاخرة بالإرث الإسلامي العريق، يستطيع أن يستعين بإنجازاتها من يريد حقاً أن يدافع عن تلك المرحلة، وعن إنجاز رسول الأمة خلالها. ويكفينا هنا أن نذكر بعضاً مما جاء في القرآن الكريم بشأن المرحلة المكية، حيث يؤكد على أن خاتم الأنبياء سيكون من أهل “أم القرى” مكة، وهو السبب الذي جعل إبراهيم عليه السلام يضع ابنه إسماعيل في أم القرى تأكيداً للآية الكريمة Fﵟوَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَﵞ ﵝالعَنكَبُوت : ﵗﵒﵜ F. كما ذكر القرآن كذلك F ﵟوَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبۡعَثَ فِيٓ أُمِّهَا رَسُولٗاﵞ ﵝالقَصَص : ﵙﵕﵜ F.
من المؤسف جداً أن نقول إن أكثر الإساءات للإسلام قد صدرت من المسلمين أنفسهم وسواء كان في إساءتهم إرهاب فكري أم جسدي، فإن الواقع يذكرنا بحديث الإمام الغزالي الذي يقول فيه: “إن الغلمان السفهاء بعلم مغشوش وجهل مركب هجموا على الصحوة الإسلامية، فنفروا الناس من الإسلام”.
لقد تراجع الإسلام ديناً وعقيدة وإرثاً تاريخياً عريقاً عما كان عليه لأسباب تتعلق مباشرة بالمعارك الجانبية والقضايا الجزئية التي يثيرها البعض، لعجز فيهم عن التصدي لأعداء الإسلام الحقيقيين، خاصة إذا ما أدركنا أن من السهل جداً أن تكفر أحداً ما، غير أن من الصعب جداً التفكر في هدايته وتوعيته واحتوائه.
ومشكلة الخطاب الديني اليوم، أنه لا يجهل الفرق بين الأسلوبين، وإنما لأنه مدرك أن التفكير في كيفية الدفاع عن الدين، رحلة شاقة وطويلة وعمل دؤوب يتطلب جهداً وصدقاً ونوايا حسنة خالية من أي مآرب أخرى!!
