
لا شك في أن التعليم الجيد والمثمر هو الذي يمتد إلى خارج أسوار المدرسة التقليدية، ولعل من أبرز التحديات التي يواجهها أي منهج تعليمي هو ذلك الذي يتعلق بالخروج بالعملية التعليمية من حيز التنظير الجامد والمجرد إلى حيز التطبيق بكل ما يحمله من انطلاق واستمرارية.
مناهجنا التعليمية في هذا الوطن تحوي الكثير من القيم والمثل والإرشادات التي ترمي لبناء الفرد السوي المتكامل والمنتج، إلا أنها، وبكل أسف، تبقى مثلاً رهينة الكتاب وسور المدرسة، وإرشادات المعلم، ويبقى الواقع معها معزولاً ومنفصلاً تماماً.
فقيم العمل، مثلاً، والإخلاص في الأداء، يهدمهما دائماً العطاء المتواضع للمعلم في هذا الوطن، أما محاولات الحث على الإبداع وتشجيع التميز فيطيح بها تدني المناهج التعليمية وترديها وعجزها عن تلبية طموحات وقدرات الطالب الحديثة والمتجددة دوماً، كذلك تتناقض أخلاقيات العمل وأهداف التعليم التي تنص عليها الكتب المدرسية، مع سلوكيات بعض القائمين على العملية التربوية التعليمية في هذا الوطن.
لقد حاولت ثانوية جمانة بنت أبي طالب للبنات أن تعالج ذلك النقص، وأن تخرج من دائرة التنظير المدرسي الجامد، لتمتد إلى خارج الكتاب والمنهج التعليمي لتستقر في واقع الطالب المعايش، ومن خلال يوم مفتوح تحت شعار “العمل إتقان وعطاء”، خرجت ثانوية جمانة بطالباتها إلى البيئة المحيطة بالمدرسة، للقيام بأعمال تنظيف وعناية وزرع الحديقة، بالإضافة إلى ترميم سور المدرسة بهدف تجسيد الولاء للوطن كسلوك لدى الأفراد جميعهم.
وتلك ليست المحاولة الأولى لثانوية جمانة نحو الخروج بالتعليم والتربية إلى خارج المدرسة، فلقد سبق لها أن أقامت ندوات شاركت فيها طالبات جمانة، زملاء وزميلات لهن من مدارس أخرى، بالإضافة إلى جمع من أصحاب الرأي والقلم والفكر، حيث استعرضت تلك الندوات أكثر القضايا الشبابية سخونة وأهمية، فاتحة المجال بذلك لمساهمة فعلية من قبل الشباب في الحديث عن قضاياهم وقضايا أخرى تمس المجتمع بشكل عام.
لا شك أن الشباب، وفي ظل أي مجتمع بشري، يتمتعون بمخزون ثمين من الطاقة، والفرق الأساسي بين المجتمعات المنتجة والمجتمعات الأخرى الفقيرة في إنتاجيتها وعطائها، يكمن في الأسلوب الذي تستثمر به تلك الطاقات، ونحن في هذا الوطن وبكل تأكيد لا نتقن فنون الاستثمار البشري، وخاصة الشبابي، وقد انعكس ذلك على أداء هؤلاء عند خروجهم إلى حلبة المجتمع العملي فيما بعد، وهو أمر نلمسه جميعاً في أداء الفرد المتواضع، وفي إنتاجيته الضئيلة، وفي تدني قيم العمل والإنتاج بشكل عام، ليس بسبب عجز ذهني أو بدني عن الأداء، وإنما بسبب مخزون الذاكرة الضئيل لما يتعلق بمفاهيم وقيم كثيرة هامة وضرورية للبناء المجتمعي.
إن التعليم في أساسه تربية، والتربية لا يمكن أن تكون واقعاً إلا من خلال الممارسة والتطبيق الفعلي، ونحن اليوم في أمس الحاجة لصياغة آليات وطرق تعزز الجانب النظري من التربية بصورة سليمة وصحيحة تجعله أقرب للواقعية والتحقق.
ونتمنى لو اشتملت المناهج والخطط والمشاريع التعليمية على شيء من التطبيق العملي الرامي إلى كسر جمود التنظير والتلقين، وأن لا يبقى مثل هذا الجانب الحيوي والهام في العملية التربوية والتعليمية رهن اختيار الإدارات المدرسية ورغبات بعض العاملين في القطاع التعليمي والتربوي.
فشكراً لثانوية جمانة بنت أبي طالب على كل مساهماتها التربوية التطبيقية، ومعها نوجه دعوة إلى كل القائمين على العملية التعليمية بأن يخطوا خطوات رائدة كهذه، ليتحقق أمل كل المهتمين والراغبين في غرس مفاهيم وقيم كثيرة، أملهم بالخروج من دائرة الكتاب الضيقة، إلى فسحة المكان والموقع، وممارسة التربية والتعليم في الهواء الطلق وتحت ضياء الشمس.
