الأرشيف

التعليم.. بين سراييفو والكويت!!

[جريدة الطليعة 24/11/1999]

بثت إحدى المحطات التلفزيونية تقريراً إخبارياً عن الأوضاع في “سراييفو” وذلك بعد الحرب الأهلية التي مزقت تلك المدينة اليوغسلافية!! وقد ركز التقرير على رصد انعكاسات الحرب على الشأن العام في المدينة، مع تسليط الضوء على أثر الحرب في المناهج التعليمية وفي التعليم بشكل عام!! وقد أجرت تلك المحطة لقاء مع بعض المدرسات البوسنيات المسلمات من اللاتي يشرفن على المرحلة الابتدائية، وذلك بهدف سؤالهن عن إسقاطات الحرب على التعليم وعلى التلميذ، وقد كانت إجابتهن جميعاً بأن السياسة التعليمية العامة لا تحاول أن تحشر تلك الصراعات العرقية في مناهجها، وأن تتجنب تسييس المناهج بصورة قد تؤدي إلى انعكاسات خطيرة مستقبلاً!! وقد تحدثت إحدى المدرسات المسلمات مؤكدة إصرار المدرسة بهيئتها التعليمية والإدارية على بث النشيد الكرواتي في كل صباح، وذلك وفقاً للتقليد السائد فيما قبل أحداث “سراييفو” وعدم الإشارة إلى تفاصيل وأسباب الحرب العرقية التي دمرت “سراييفو”!! منطق لا شك متزن وعاقل وواع، يؤكد حرص أهل “سراييفو” على عدم تسييس التعليم أو استغلال المناهج التربوية والتعليمية لخدمة أي من الأطراف السياسية في “سراييفو” أو الترويج لأي من الديانات أو العقائد المختلفة فيها!! ويأتي متناقضاً تماماً مع نهجنا العام في هذا الوطن والذي خلط السياسة بالتاريخ بالتعليم بالجغرافيا بصورة أربكت مناهجنا خاصة في أعقاب غزو النظام العراقي، حين سُخّرت مناهجنا التعليمية للثأر من كل ما يمت للعراق بصلة وإن كانت بعيدة كل البعد تاريخياً وسياسياً عن رموز النظام الحالي في بغداد!!
وقد جاءت بعض تلك المحاولات لتترجم حجم سذاجة وسطحية بعض المشرفين على المناهج التعليمية خصوصاً في مقررات التاريخ والجغرافيا، حين تم شطب اسم العراق من الخرائط المدرسية، وإلغاء كل ما يشير إلى التراث الفكري أو الأدبي الذي يتناول شعراء أو أدباء من العراق!! بل وأفرد أحد المقررات الدراسية ما يقارب الأربع صفحات تسرد فيها إنجازات الحكومة الرشيدة في يوم الثاني من أغسطس على الرغم من إدراك الجميع لحقيقة الوضع آنذاك، وتفاصيل سقوط الحكومة يومها!! وهو أمر منطقي بل وطبيعي جداً، إذا ما أخذنا في الاعتبار عنصر المفاجأة آنذاك وعامل اللا تكافؤ بين الجيش والاستعدادات العراقية من جهة أخرى مما يجعل من الحديث عن إنجاز للحكومة حديثاً لا معقولاً، ويحوي مبالغات قد تضر بإدراك الطالب وفهمه لحقيقة الوضع آنذاك!! بل وقد يؤدي إلى فقدانه وشكه في مصداقية المصادر التي يستقي منها المعلومة والخبر، وفي موضوعية الطرح العلمي المجرب في مناهجه التعليمية والتربوية بشكل عام.
لقد أثار إقحام السياسة في المناهج التعليمية وبهذه الصورة الساذجة تحفظات لدى الكثير من أصحاب العقول الواعية والنظرة البعيدة غير الآنية!! وأبدوا استياءهم من أسلوب تعامل المناهج التعليمية ومشرفيها لوقائع وتفاصيل غزو النظام العراقي وما تلاه من تداعيات سياسية عربية وإقليمية!! ولم يكن ذلك من باب الحرص على العراق كدولة، وإنما هو من منطلق الحفاظ على الثوابت الجغرافية والتاريخية التي قد تربك إدراك الطالب ومقدرته على استيعاب وفهم ما حدث، وتؤثر على طريقته وأسلوبه في التعامل مع مجريات الأحداث في المستقبل بشكل عام!! والمثير هنا أنه لم يكن من ضمن أولئك المتحفظين على ذلك الإقحام الساذج للسياسة في التعليم، أي من أصحاب “الفزعة” الأخيرة التي مارسها أحد الأحزاب السياسية المتأسلمة عن طريق جمعية المعلمين، وذلك في سبيل ما ادعوا أنه حفاظ على التعليم من مس السياسة المجنونة، وبما أبدوه من استياء وغضب تجاه حملة التواقيع المؤيدة لحق المرأة السياسي في بعض مدارس التربية!!
إن قضية تسييس التعليم أو المناهج التعليمية هي قضية تعاني منها كل المجتمعات حديثة النمو لأسباب تعود أساساً إلى غياب الحرية والحق في التعبير بشكل عام والذي أدى إليه خلل في الممارسة الديمقراطية، أو غيابها تماماً في ظل ديكتاتوريات كالتي يشهدها العالم الثالث بصورة عامة مما أدى إلى استخدام التعليم والمناهج التعليمية في سبيل الترويج لأفكار ومبادئ سياسية وغير سياسية!! وبحيث أصبح البحث في المناهج التعليمية جزءاً من أي مباحثات أو مفاوضات سياسية تجريها تلك الدول فيما بينها!! حيث تتبدل وفقاً للمزاج السياسي السائد دون اعتبار لأهمية عنصر الموضوعية والتجرد في كتابة تلك المناهج!! وبما أننا في هذا الوطن، جزء من ذلك العالم الثالث، حديث التعليم والنشأة، فإن العراق تاريخياً وثقافياً وأدبياً سيبقى عدواً محارباً في كل مناهجنا التعليمية، إلى أن يسقط نظامه الحالي، وتعود العلاقة الطبيعية، ونعيد معها تلقين أطفالنا وتصحيح معلوماتهم، التي غالباً ما يكون أكثرها قد ثبت في عقولهم وأصبح جزءاً من وعيهم وإدراكهم السياسي ليقف بذلك شاهداً على الفروقات في التعليم بين سراييفو والكويت!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى