
في كل عام، وبالتحديد مع كل نهاية عام دراسي، تبدأ الآراء في مناقشة النظام التعليمي بشكل عام، وأسلوب التقييم أو الامتحان في المراحل التعليمية المختلفة بشكل خاص!!
أما أسباب ذلك النقاش فهي متعددة ومختلفة، منها ما يتعلق بتذمر مؤسسات الدولة بشكل عام من مخرجات التعليم، ومنها أسباب تدخل في النظام التعليمي المتبع، بما فيه المنهج والمعلم، بالإضافة إلى الجدل الذي لا يتوقف عن نظام المقررات، فاعليته وآثاره على الطالب.
لا شك بأن نظام المقررات كنظام تعليمي معمول به في دول أخرى كثيرة، قد أثبت فاعليته ونجاحه، بدليل استمراره، وهو نظام كان في طور التجربة لدينا هنا، قبل أن يصبح شبه شامل ومعمم في أغلب المدارس!! وعلى الرغم من الإشارة في بداية العمل به إلى أهمية تقييم المدارس لهذا النظام، والتأكد من فاعليته، إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث، فعلى الرغم من كل النقد الذي وجهه ويوجهه الكثير من العاملين في الجسم التعليمي لهذا النظام، إلا أن لا محاولات تذكر قد صدرت لمواجهة الآثار السلبية التتي بدأنا نلمسها كنتيجة مباشرة لنظام المقررات خاصة ما يتعلق منها بتردي مستوى الطالب.
نظام المقررات هو بلا شك قد أصبح مفضلاً لدى الغالبية العظمى إن لم يكن كل الطلبة، مقارنة بالنظام التعليمي العام. غير أن أسباب التفضيل هنا، ليست أسباباً تعليمية، أو منهجية، وإنما هي أسباب تتعلق بسهولة الحصول على التقديرات العالية والدرجات المتميزة في ظل نظام المقررات، وتلك حقيقة نلمسها في ختام كل عام دراسي من خلال نتائج الطلبة (المتميزة).
والمؤسف هنا ليس في تميز الطلبة هذا، وإنما في الوسائل التي يتحقق بها هذا التميز، وهي وسائل، وللأسف الشديد، تسيء للنظام وسياسته التعليمية، وتعبر عن عدم فهم الطالب والمعلم لأهداف النظام ومنهجه في التعليم والتنشئة العلمية والثقافية.
جوهر نظام المقررات، يكمن في إشراك الطالب وإسهامه في العملية التعليمية، حيث يمنح الطالب هنا فرصة لتنمية قدرات البحث والاطلاع والقراءة، وتجعل من المعلم موجهاً ومرشداً أكثر من كونه مُلقّناً ومُحفّظاً، وهو ما أخفق فيه الطالب كما المعلم، وبدلاً من أن تنمو قدرات الطالب في القراءة والاطلاع، أصبح نظام المقررات مشجعاً على قراءة أقل وإطلاع شحيح، فالكتاب تقلص ليصبح مجرد مذكرات تلخيصية يُمليها المعلم، أو إجابات نموذجية يتم توزيعها وأيضاً بمساهمة وبمساعدة المعلم، يستغني فيها الطالب عن اللجوء إلى الكتاب وتفاصيله الدقيقة والشاملة، وبحيث تراجع المقرر التعليمي والكتاب المدرسي في ظل سوء الفهم هذا، ليصبح مجرد كشكول أو دفتر، وتقلص فيه الأداء التعليمي ليصبح مجرد استعداد للامتحان النهائي فقط، بل وحتى محاولة وزارة التربية الأخيرة لتلافي الآثار السلبية لتلك الأخطاء قد باءت بالفشل، ومحاولاتها لتوحيد الامتحانات، أو لتبادلها بين المدارس المختلفة، لم تضف شيئاً لذلك الواقع المتردي، فلا سرية تذكر في إعداد الامتحانات ولا لجان متخصصة لوضعها. أما الامتحانات الشفهية، فأنها تأتي بأساليب مرتجلة وضعيفة ولا يجري أداؤها بالصورة المفروض أن تكون عليها، وبحيث تأتي علامة الامتحان الشفهي كالهبة، في مدارس البنين خاصة، يحصل عليها الجميع وبلا استثناء أو اعتبار للفروقات الطبيعية والمتوقعة عند أدائها!!
مشاكل نظام المقررات وإخفاقاته عديدة وكثيرة لمن يريد أن يُجري تقييماً حقيقياً وصادقاً لها، فالقراءة معدومة، والفصول مكدسة بالأعداد، والامتحانات بلا سرية تذكر، والتقييم والتقديرات تخضع لاعتبارات أخرى عديدة لا علاقة لها بالعلم أو بالتعليم!
والجامعة تئن وتشكو من مخرجات التعليم المتردية، ومن المستوى السيئ للطلبة الذي أصبح يصل إليها، والجميع متذمر من كل ذلك، إلا أنها تبقى شكاوى لا تتعدى الإعلان والإفصاح عنها، ويبقى التنفيذ والاستجابة لها في عُهدة الغيب، وبانتظار القرار الصائب الذي يعيد للتعليم مكانته، وللعلم درجته، ونقاءه ويعيد النظر في نظام المقررات.
