
يأتي التعليم كأكثر المتضررين من كورونا، فقد فرض هذا الفيروس على أنشطة كثيرة كالتعليم والعمل أن تسلك مسلكاً مختلفاً وجديداً، والأصعب من ذلك كله أنه كان مفاجئاً.
لقد أدت ثورة التكنولوجيا وانفتاح مجال الاتصالات والتواصل إلى ثورة مشابهة في مفهوم التعليم بشكل عام، وقد كانت البداية من مراحل التعليم العالي حيث ظهر التعلم عن بُعد والذي يتيح إتمام العملية التعليمية افتراضياً، وبالفعل فقد نجحت جامعات عديدة في العالم في تحقيق ذلك وتخرّج فيها العديد من حملة التخصصات المختلفة، لذلك فقد أصدرت “اليونيسكو” بالإضافة إلى جمعية أمريكية معنية بذلك تعريفاً للتعليم عن بُعد، ينص على أنه “تقديم التعليم أو التدريب من خلال الوسائل التعليمية الإلكترونية، ويشمل ذلك الأقمار الصناعية والفيديو والأشرطة الصوتية المسجّلة وبرامج الحاسبات الآلية والنُّظم والوسائل التكنولوجية التعليمية المتعددة، بالإضافة إلى الوسائل الأخرى للتعليم عن بُعد”.
من وجهة نظري الشخصية، ووفقاً لتجربتي في التعليم، لا أتصور أن ذلك ينطبق على التعليم العام، أي مراحل الدراسة التي تسبق الجامعة أو التعليم العالي، فالتعليم في المراحل الأولى لا يقتصر على المعلومة، بل هو منظومة متكاملة تشمل، بالإضافة إلى المعلومة، أموراً أخرى كالانضباط، والتواصل، والعلاقة البشرية المباشرة، وجميعها ستكون مُهدّدة وتحت مجهر البحث في ظل سيطرة التعليم عن بُعد، وعبر وسائل التكنولوجيا. التعليم بشكل عام، سواء في الكويت أو في الصين أو في أوروبا، يسير وفق فلسفة يضعها المختصون في هذا المجال، ولم تَسلَم هذه الفلسفة من الجدل والصراع حول تعريفها عبر تاريخ التعليم الحديث، ولعل أشهر تلك المعارك الجدلية ما حدث في بداية القرن العشرين، حين بدأ البعض في المطالبة بتعليم بديل في أوروبا يرتكز على الطفل نفسه، ويتفادى الآثار السلبية للتعليم النظامي، ويقال إن المفكر الفرنسي جان جاك روسو كان أول من اختلف مع التعليم النظامي، وحيث كان روسو يرى أن التعليم يجب أن يتبع نمو الطفل الفطري وليس مصالح المجتمع التي تسعى لخلق مواطنين فاعلين في الدولة.
بدأت جدلية التعليم البديل في القرن الثامن عشر، وبقيت عالقة تُثار بين الحين والآخر، يؤيدها فلاسفة وتربويون، ويرفضها آخرون إلى أن استقر الأمر في أمريكا وأوروبا بإنشاء مدارس موازية للتعليم النظامي لرفض التلقين والحفظ، يوجد منها في أكثر من ستين دولة حول العالم، ولكنها قليلة جدا في العالم العربي.
اليوم يفرض كورونا إعادة نظر في فلسفة التعليم وليس في أدواته فقط، وهذا لا ينطبق على دولنا فقط، بل هو كذلك على دول العالم الذي يُفتَرَض أن يكون متقدماً علينا، وحيث لا يزال التفاعل الإلكتروني بين الطلبة والمدرسين، وبين الطلبة وأقرانهم غير منتظم ويفتقد إلى جودة المحتوى، ولا تزال أمور كالتقييم والاختبارات وغيرها أموراً عالقة لم يتم حسمها بشكل واضح بعد.
نحن بلا شك في مواجهة مرحلة انتقالية مهمة، تتطلب منا تحديث فلسفة التعليم بشكل يتواكب مع ثورة الاتصالات والتكنولوجيا الرهيبة، والحالة الخاصة التي أفرزها الوباء، وهي مواجهة كان من المُفتَرَض أن تُثيرها ثورة المعلومات منذ تفجّرها لكنها بقيت مؤجّلة إلى أن دهمتنا كورونا وأجبرتنا على الخضوع لرياح التغيير العاتية.
لن يكون الأمر سهلاً على الإطلاق، خصوصاً في دولنا التي لا تزال تصارع مفاهيم وعقولاً من إرث الماضي، لذلك، ستبقى تخوض في جدال حول أفضل الأجهزة والبرامج لتحقيق تعليم عن بُعد جيد وفعّال، وحجم المادة الدراسية التي يجب تقديمها، بينما يبقى السؤال العالق دائماً هو “لماذا نُعلّم؟” والذي بخلاف ما يرد حوله في مؤتمرات تربوية ومقالات وخطب، إلا أنه يبقى بلا إجابة واضحة، وإن كان أفلاطون قد أدركها وطبّقها منذ أكثر من ألفي عام حين قال إنه “يجب ألا نكتفي بتعليم الرياضيات والعلوم فقط، بل يجب أن نتعلم كيف نكون شجعاناً وأحراراً، فذلك سيفيد المجتمع أكثر”.
