غير مصنف

التطرف الديني.. والقضية الأم

[جريدة القبس 13/4/1993]

قيل الكثير.. عن مسألة التطرف الديني.. ومخاطرها.. وامتداداتها.. وحظيت تلك المسألة بدراسات وتحليلات فشلت وعجزت حتى الآن عن الحد من ذلك التطرف.. وأخفقت عن الإلمام بالأسباب التي تدعو بعض الجماعات الدينية في عالمنا العربي والإسلامي.. إلى اتخاذ العنف كمدخل وحيد لإصلاح الفرد والمجتمع.. وكمنهج للتعامل طال امتداده العالم الأول – كما جرت التسمية – فحظي بنصيبه من العنف والقتل والتدمير ولكن أحداً لم يحاول أن يبحث عن الأسباب الحقيقية لذلك التطرف.. الذي أصبح يتهدد الإسلام كدين تسامح.. وحكمة.. وموعظة حسنة..
ولقد حاول.. “هاشم صالح” في ترجمته لكتاب “محمد أركون” “أين الفكر الإسلامي المعاصر؟”، حاول أن يلقي باللائمة على المثقف والمفكر العربي.. وعلى الأنظمة السياسية العربية.. فيما آلت إليه قضية التطرف الديني. فهو يرى “أن المجتمع إذا لم يستطع أن يتكلم بشكل طبيعي.. ومن خلال القنوات الملائمة فإنه ينفجر.. ومجتمعاتنا العربية – الإسلامية – مكبوتة.. مهانة.. محتقرة.. فهناك وصاية مضروبة عليها من قبل أنظمة ضعيفة.
و”هشام صالح” يضرب هنا على وتر القضية الأم في عالمنا العربي.. ألا وهي الديمقراطية.. والتي يؤدي عدم الأخذ بها في مجتمعاتنا العربية إلى ازدياد الهوة بين الفرد والمؤسسة.. وبين المواطن والدولة.. وهذا الواقع لا يقتصر على قطر عربي دون الآخر.. كما وأنه لا ينعدم من جانب واحد من جوانب الحياة السياسية والاجتماعية في العالم العربي.. وإنما هو يتناول كل المجتمعات العربية. وغياب الديمقراطية والحوار يجعل العالم العربي يخلط بين السبب والنتيجة.. وبحيث تضيع خيوط الحل المثالي والصحيح.
ويرى هشام صالح أيضاً أن إنكار وجود مثل هذه الجماعات الدينية وتأثيرها في المجتمع.. هو نفي للديمقراطية والحوار.. كما وأن الاعتراف بوجودها لا يعني بالضرورة الاتفاق معها.. فهو يقول “يمكن للمحلل” أن يفهم سبب ظهور الحركات الإسلامية.. ويعتبر هذا الظهور شيئاً مشروعاً دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه متفق معها في مضامين الشعارات وأساليب العمل.. ولا يحق للمؤرخ أن يشطب عليها بجرة قلم واحدة.. بحجة أنها (رجعية) أو (ظلامية) أو (متخلفة).. أن ذلك يعني احتقاراً لآلام هائلة.. عذابات مضنية.. وشبيبة تضج بالحماسة للعطاء والتضحية، إن المفكر.. هو طبيب حضارات.. فهو مسؤول عن تشخيص الأمراض التي تنخر في أحشاء مجتمعه.. والتي تتفاقم أثارها في أوقات الأزمات.. ولا ينبغي عليه أن يخطئ في تشخيص المرض.. وإلا بطل أن يكون طبيباً.. أي مفكراً.. وذلك لأن الخطأ في التشخيص يعتبر جريمة في مثل هذه الحالة.. أنه يقتل المريض.. أي المجتمع..
وهو هنا يضع اللوم على المثقف والمفكر العربي.. العاجز عن طرح المشكلة بشكلها الصحيح.. أي ضمن منظورها التاريخي وثقلها الحاضر، فهو يحاول هنا أن يلخص الأسباب التي أدت إلى فشلنا في معالجة أغلب مشاكلنا.. على كونها أسباباً تتعلق بمحاولاتنا دوماً إنكار تلك المشاكل في داخل مجتمعاتنا.. والتظاهر بأننا شعوب بلا مشاكل.. وأن كل ما يهدد الأمن والاستقرار في مجتمعاتنا.. إنما من صنع أياد أجنبية خارجية.. يتم التآمر علينا من خلالها..
وإنصافاً منا للحق.. فإن إنكار الحوار.. والاعتراف الفعلي والواقعي بالآخر.. قد جاء من كلا الطرفين.. أي من جانب التيارات الدينية.. والأنظمة السياسية القائمة على حد سواء.. والتي لم تقل عنفاً ولا تطرفاً عن تلك الجماعات الدينية. وحيث أن العنف لا يولد سوى العنف.. فقد تزايد حجم التطرف مع تزايد القمع.. والذي يمكننا تحديد بدايته مع إعدام قيادات تلك الجماعات في نهاية الستينيات في مصر.. وحيث كانت نشأة التطرف الديني وازدهاره.
ونشأة التطرف في مصر.. لم تأت صدفة.. ولا مفاجأة.. وإنما خلقتها عوامل اجتماعية.. واقتصادية.. وسياسية سائدة.. فهجرة (سيد قطب) أحد أهم رموز الجماعات الدينية من قريته المتواضعة من مصر.. إلى صخب وضجيج القاهرة.. في أوج ازدهار الهجرة من الريف إلى المدينة في مصر.. وذلك في العام 1920.. خلقت مجتمعاً منفصلاً بلغت حدة التباين فيه أقصاها.. وحيث استمر أولئك المهاجرون الجدد في العيش تحت ظروف معيشية واقتصادية خانقة.. في وقت كانت الطبقة الارستقراطية المصرية في أوج بذخها وإسرافها.. كما عجزت بيئة أولئك القادمين من الريف.. أن تنصهر في بيئة المدينة الصاخبة.. متمسكة بعاداتها المحافظة التي قدمت بها من القرى المصرية المترامية، واستمر ذلك التباين الطبقي في مصر.. ولم تستطع الثورة المصرية بشعاراتها المنادية بتطبيق العدالة الاجتماعية.. أن تقضي على ذلك التباين الطبقي.. فوجد الداعون للعودة إلى الدين الإسلامي الصحيح.. وجدوا ملازهم في دين يحد من ذلك التباين بتعاليمه.. وفرائضه كالزكاة والصدقة.. ومنزلة العمل الصالح، حتى جاءت هزيمة 67 فدفع اليأس بالمجتمع والنظام السياسي القائم بالكثير لجوء إلى الدين هرباً من مشاعر الإحباط والكراهية للوضع القائم.
ثم تتوالى الأحداث.. من اعتقالات.. إلى سلام وصلح مع اليهود.. وانفتاح اقتصادي عزز من التنافر الطبقي الاجتماعي.. لتزداد معها الدعوة إلى وجوب إصلاح وتقويم الواقع الاجتماعي والسياسي.
وعلى الرغم من أن الدعوة للعودة إلى الدين لا تخص المجتمع الإسلامي وحسب.. فهناك دعوة للعودة إلى المسيحية.. وهي دعوة نشطة تشمل أمريكا وأوروبا.. ويطلق أصحابها على أنفسهم اسم الولادة من جديد أو (Born again).. إلا أننا لم نسمع قط عن حملة إعدامات واعتقالات لرموزها.. وإنما تم التعامل معها والتعايش بها ضمن إطار الديمقراطية وحرية الرأي المتوفرة في تلك الدول.
إن هذه بالتأكيد ليست دعوة لاختلاق الأعذار للذين اتخذوا من تعاليم الدين وسيلة للقتل والإيلام والعنف.. ولا هي بتبرير لأساليبهم التعسفية في معالجة قضايا مجتمعاتهم.. وإنما هي دعوة للتعمق في زوايا وجذور المشاكل التي تعصف بمجتمعاتنا.. وهي أخيراً لا آخر.. دعوة للإيمان بصورة مطلقة بجدوى الحوار والديمقراطية.. فمشاكلنا تتعاظم وتتفاقم لأن الوجه الآخر هو دائماً غائب.. أو مغيب.. ولأن الأخطاء هي إما مؤامرات أجنبية.. أو محاولات داخلية للإخلال بأمن المواطن.. واستقرار الوطن.. من فئات هي دوماً (باغية) (وضالة) أياً كان مصدرها أو توجهها!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى