شئون عربية

التضامن قدر.. لا خيار

التضامن قدر.. لا خيار

لا شك أن الأحداث الأخيرة التي اشتعلت في شمال العراق، قد فجرت لدى الكثير منا في هذا الوطن ينابيع متباينة من ردود فعل لم تستطع في مجملها أن تتنصل من غصة وحرقة تعترينا جميعاً ولا تزالا منذ فجر الثاني من أغسطس المشؤوم.
وهو أمر قد يكون طبيعياً جداً يفرضه واقع الألم الذي لا يزال رطباً طري الجذور يؤججه غياب طال لأسرى أبرياء وشهداء مضوا في ركب القديسين. وإن كان ذلك لا يعفي مسؤولية البعض ممن يصرون دائماً على المضي في توسعه دائرة الغضب وحلقة العداء والكراهية. النائب الفاضل علي البغلي يدعو في مقال له نشر في “القبس” بتاريخ 11/9/96، يدعو إلى التوقف عن دعم الجامعة العربية متسائلاً: “لماذا نبادر دائماً لنجدة هذا الكيان المتهالك المسمى الجامعة العربية والذي نتذكر جميعاً موقفه يوم العاشر من أغسطس 1990، فقد كان موقفاً لا مبالياً بارداً وكنا نتوقع الأفضل ولكن فاقد الشيء لا يعطيه” (انتهى).
قد نتفق جميعاً مع رأي النائب البغلي في حقيقة موقف الجامعة العربية المتخاذل والمتكاسل آنذاك! وإن كنا نختلف معه كل الاختلاف فيما يتعلق بأهمية إحياء التضامن العربي، وبالذات تحت هيئة كهيئة الجامعة العربية، وهو أمر لا يمكن أن يثنينا عن الإيمان به أو الأخذ بحساسيته، موقف ضعيف للجامعة كالذي نعيشه الآن، أو قرار متهاون ومرتجل كالذي صدر يوم العاشر من أغسطس 1990، بل على العكس من ذلك تماماً، فتسارع خطى الأحداث من حولنا اليوم.. يذكرنا وبصورة ملحة بأن المخرج الوحيد مما آل إليه الوضع العربي لن يتأتى ولن يكون إلا من خلال إحياء جدي للتضامن العربي، والذي انشق بفعل عبث بعض القيادات العربية وانحرافها عن المسار الوطني الرامي إلى مصلحة المواطن والوطن. حيث يقف العالم العربي اليوم، وبفعل رعونة تلك القيادات أمام تمزق جغرافي جديد للمنطقة العربية، ستكون من نتائجه نسخ مكررة من لبنان، وفلسطين، والصومال، تحمل معها أزمات وقلاقل ستبقى أكبر وأعنف من أن نتحمل تبعاتها فرادى وبدون تضامن وعمل مشترك.
لم يعد العمل العربي الموحد والتنسيق المشترك خياراً ورفاهية أيها النائب الفاضل على البغلي، ولم تعد ضرورة التضامن تحت مظلة عربية مشتركة شعاراً وطنياً خاوياً، بل أصبح ذلك الآن ضرورة لأي خلاص أو مخرج مقترح.
وتلك حقيقة سندركها سريعاً لو نحن ألقينا نظرة خاطفة على الألوان والخطوط التي أصبحت تتسلل إلى واجهة الخريطة العربية، وما يعكسه ذلك من واقع أليم ومستقبل أكثر ألماً وغموضاً وقسوة.
وإذا كنا قبل الأحداث الأخيرة في شمال العراق نتوجس خيفة من السقوط في مستنقعات شبيهة بأفغانستان والصومال ويوغسلافيا، فإننا اليوم وأمام الخريطة الجديدة المقترحة للعراق نكون قد دخلنا ذلك المستنقع، بوحله ودمائه، ومستقبله الدامس، لنبقى بذلك أمام خيار واحد يتيم للخروج من ظلام ذلك المستنقع. وذلك عن طريق إحياء القرار والفعل العربي الواحد تحت أية صيغة تراها أيها النائب الفاضل، ولتتذكر جيداً أنه لولا التضامن العالمي المشترك والموحد، لما كان تحرير الوطن فاعلاً، ولولا دكتاتورية صدام حسين لما كان لغزو الوطن أن يكون، وأن التضامن قدر.. لا خيار.. شئنا ذلك أم لم نشأ!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى