التبعية للمرشد.. وليست للمعلم

التبعية للمرشد.. وليست للمعلم
في بداية فبراير كتب أحد أقطاب تيار الإسلام السياسي مقالاً تناول فيه مأزق التعليم على وقع حادثة الغش الجماعي الأخيرة، المقال جاء في مُجمله كمحاولة دفاع عن زميل له يقول بانه قد جعل من التعليم قضيته الأولى، وبأن من أسماهم بالليبراليين يسعون لاستبعاد هذا الزميل ومن ثم عرقلة مهمته لإنقاذ التعليم. ثم ليعرج بالمقال باتجاه وزير سابق مُنتقداً إياه على اتهامه لتيار الإسلام السياسي بكونه المسؤول عن تردّي التعليم، وبأن الإخوان المسلمين بالتحديد كانوا يديرون العملية التربوية منذ عقود، وبالتالي يتحمّلون وزر مثل هذا التردي.
المقال مملوء بالتناقضات والمعلومات غير الدقيقة، لكن ما يهم هنا هو الإجابة عن سؤال حول الفرق بين قيادة التيار المدني للتعليم وإدارة تيار الإسلام السياسي لهذا الشق المهم جداً في أي مجتمع.
أزمة التعليم، في العالم العربي بشكل عام وليس في الكويت فقط، ليست بسبب أفراد تقلّدوا مناصب قيادية في المؤسسات التعليمية، سواء كانوا من الليبراليين أو من تيارات الإسلام السياسي، أزمة التعليم تعود إلى المناخ السياسي الذي ساد في المنطقة العربية كلها منذ أن تراجع المشروع القومي المدني في هيئته إثر حرب 1967، فالمؤسسة التعليمية بشكل خاص غالباً ما تكون شديدة الارتباط بالنظام السياسي والفكري السائد في حقبة ما، وقد لا يختلف اثنان على أن التيارات السلفية وتيار الإخوان المسلمين هما من ملأ الفراغ السياسي الذي أصبح شاغراً إثر هزيمة حزيران 1967، وبالرغم من الصّدام المستمر مع حركة الإخوان المسلمين منذ نشأتها في العام 1928، فإن المناخ السياسي المدني بقي متماسكًا إلى أن حَدَثَت المُصالَحَة أو التحالف بين الأنظمة السياسية في العالم العربي وتيارات الإسلام السياسي وعلى رأسها “الإخوان المسلمين”، وبدأت معها حملة مُنظّمة لمواجهة التيارات القومية واليسارية والمدنية، ففي مصر، حاضِنة كل التحوّلات في العالم العربي، حَرِصَ الرئيس السابق أنور السادات على مُحاباة جماعة الإسلام السياسي، وبدأ مع هؤلاء بالانطلاق باتجاه الجامعات والمدارس والمعاهد وكل المرافق العامة، حاملين لواء “الإسلام هو الحل” لِيَقينهم بأن الاستحواذ على أي مجتمع لا يكون إلا بالاستحواذ أولاً على المؤسسات التعليمية والتربوية، وبالطبع انتقلت تلك الثورة السلفية الإخوانية التعليمية في مصر إلى سائر دول العالم العربي، وبدأت معها ترجمة كل أدبيات وفكر تيارات الإسلام السياسي لتصبح مناهج دراسية تعليمية مُقرّرَة، مع كل ما حَمَلَه ذلك من اختصار للمعرفة البشرية وصهرها في إطار المعرفة الدينية السلفية الإخوانية بالتحديد، ثم لِيَنتَقل ذلك النهج إلى الدساتير والقوانين وثقافة المجتمع بالإجمال.
في ظل مناخ استسلم له المجتمع العربي وتغلغل في فكره ونهجه وسلوكه لكونه أتى حاملاً لواء أن “الإسلام هو الحل” وبغض النظر عن المسافة الشاسعة بين الإسلام كعقيدة ونهج الإخوان وطموحهم السياسي الدنيوي، لا يكون لِمَن يرأس المؤسسة التعليمية دور مؤثر، وبالتالي يكون ادعاء كاتب المقال المُشار إليه أعلاه من أن التيار الليبرالي هو مَنْ كان يقود المؤسسات التربوية في الكويت منذ عقود، ادعاء جانَبَه الصواب، فالبُنيَة السياسية والاجتماعية التي شيّدها فكر الإسلام السياسي كانت ولاتزال بمنزلة الحاضنة التي تقف في وجه كل محاولات التجديد أو التغيير إذا ما كان مخالفاً لمبادئها الأساسية.
الأضرار التي خلّفها استحواذ فكر الإسلام السياسي على البيئة السياسية ومن ثم المناخ التعليمي بالتبعية، ليست أضرارا تَتَعَلّق بتضارب وتصادم هذا الفكر مع الأفكار الأخرى السائدة، فتصادم التيارات صفة إيجابية لأنها تولّد حركة ومن ثم تغييراً، لكنها لم تكن كذلك في الحالة التربوية والتعليمية لأن أساس المعرفة قائم على البحث والشك والفضول والتساؤل والاختلاف والحرية والحوار، وكلها أمور محظورة في أدبيات فكر الإسلام السياسي، لذلك جاء التردّي في التعليم والمعرفة كأبرز تَبَعات انتصار هذا الفكر عبر أكثر من ستة عقود، وأصبح العلم والمتعلمون قوالب جاهزة لا تبحث في حقائق الأشياء إطلاقاً وإنما تقتفي أثر المُرشد أو الإمام فقط.
إصلاح التعليم يشترط أولاً إصلاح البيئة السياسية التي أفرَزَت هذا الواقع الأليم من التردّي المخيف في التربية والتعليم، ومن ثم الانطلاق بالمجتمع كله، وليس قطاع التعليم، في عالم الإبداع والفضول والبحث والشك في سبيل الوصول إلى الحقيقة والاستنارة.
كل عام والكويت وأهلها ومن يقيم على أرضها بخير وحرية وسلام.
