شئون دولية

التاريخ.. الذي لا يغفر

التاريخ.. الذي لا يغفر

هنأ الرئيس الأمريكي “كلينتون” قادة الهجوم الكبير.. الذي اقتلع معاقل النازية.. وذلك في احتفال أوروبي أمريكي بذكرى “معركة النورماندي”.. التي حسمت الحرب العالمية الثانية لصالح الحلفاء!!

هنأهم الرئيس الأمريكي مذكراً بدماء الشهداء التي لم تذهب عبثاً.. فهم “قد كفلوا لنا هذه الحرية التي ينعم بها العالم” وكما جاء في كلمة الرئيس الأمريكي!!

الغرب الآن ولا شك يجني ثمار قراءته الصحيحة للتاريخ.. واستيعابه الجيد لدروسه وعبره.. ولولا ذلك لكانت دماء الملايين من قتلى الحربين العالميتين قد ذهبت سدى.. وكما تذهب أرواح غيرهم الآن.. من شعوب ومجتمعات ما زالت تحظى بأمية عالية فيما يتعلق بالتاريخ.. دروسه.. وعبره.. وقراءاته!!

لقد تميز الإنسان ولا شك عن سائر مخلوقات الله.. بقدرته على التذكر.. وتخزين المعلومة والمعرفة. واسترجاعها عند الحاجة إليها!! وخاصية الذاكرة لدى الإنسان هي التي مكنته من بناء الحضارات.. والرقي عن مخلوقات الله الأخرى، حيث أن الذاكرة هي أساس عملية التعلم التي أوصلت البشر إلى ما هي عليه. هذه الذاكرة هي التي مكنت الإنسان من تسخير التاريخ وعبره فيما يجلب له الاستقرار والأمن والأمان.. وإذا كانت مقدرة الإنسان على الاستفادة من التاريخ وعبره قد اتسمت بكونها محدودة فيما قبل تدوين التاريخ وكتابته.. فهي بكل تأكيد قد أصبحت مشاعة بعد تدوين التاريخ.. والذي خلّد لنا حضارات.. تمتلئ بالدروس والعبر والعظات!!

في مخيلتنا جميعاً.. صورة للتاريخ.. تصوّره كشيخ جليل الطلعة.. أبيض الشعر.. كث اللحية.. غليظ الحاجبين أبيضهما.. يطبغ محياه بسمات الحكمة والموعظة.. يمسك بصحائف طويلة تضم أسماء.. وأحداثاً لا حصر لها!! و(هو) على هرمه.. يملك ذاكرة حية لا تغفر لمن يتجاهلها.. أو لمن يفشل في استرجاع عظاتها ودروسها!!

عالمنا العربي.. ولا شك.. هو ضحية لسخط التاريخ وغضبه منا لسوء فهمنا.. ولجهلنا به.. وجميعاً سواء كنا أفراداً.. ومجتمعات أم كنا قادة وأنظمة وأحزاباً سياسية.. ندفع الآن ثمن جهلنا بالتاريخ!! فها هو اليمن يموت بشقيه الشمالي والجنوبي.. كما ماتت بيروت من قبل بشقيها الشرقي الغربي!! وها هو اليمني يفتك بأخيه اليمني.. ويدمر منشآته الحيوية.. ويقضي على الحياة في اليمن بشقيها.. تاركاً الأحياء معاقين.. ليضاف عبء العناية بهم مستقبلاً.. إلى أعباء الدولة الاقتصادية.. وذلك حين يصحوا كلا اليمنين ويفيقا من جنونهما!! وكأنما معاقو لبنان.. ومخلفات الحرب اللبنانية النفسية والاقتصادية.. لم تنجح كلها في تلقين درسها الذي دفعت فيه الدولة اللبنانية سبعة عشر عاماً من القتل والدمار.. والحزن والبؤس!! الآن يدفع اليمن فاتورة حساب التاريخ.. الذي جهل قراءته واستهان بعبره ودروسه!!
وقراءة التاريخ لا تعني الإلمام بما سبق من أحداث وحسب.. وإنما هي من استخلاص الدروس والعبر منها.. فأحداث التاريخ يصنعها طغاة كما يصنعها عظماء.. وهو مليء بالهزائم كما الانتصارات والمتسابقون على دخول التاريخ طلباً للخلود.. يستعينون ولا شك بمبرراتهم غير الشرعية.. لدخول التاريخ من أبوابه الشرعية.. مضفين على أنفسهم بطولات وهمية!! لذا فإن دور الشعوب كما الأفراد هو في التمييز بين البطولات الحقيقية.. والبطولات الزائفة!! وأي خطأ في التمييز تدفعه الشعوب ولا شك ثمناً باهظاً من أمنها واستقرارها!! فخطأ التمييز هو الذي جعل العرب تتوج طاغية مثل “صدام حسين” زعيماً وبطلاً.. وأن تصبح العراق في عهده.. منارة العرب وملاذهم.. بقوة عسكرية مُدمرة.. تتنافس مع قوى عالمية أخرى!! على الرغم من أن تاريخنا العربي بوجه خاص.. والإسلامي بوجه عام.. قد سطر لنا من الدروس والعظات.. ما يؤكد أن القوة والقدرة العسكرية.. ما هي إلا وهم سرعان ما يتلاشى.. ما لم تكن حصيلة قدرات أخرى اقتصاية وعلمية.. واجتماعية!! ونحن الآن جميعاً.. ندفع ثمن جهلنا بالتاريخ.. ونسدد فواتيره من أمننا.. واستقرارنا ومستقبل أبنائنا!!
سيبقى الجدل حول من يصنع التاريخ قائماً.. غير أن حقيقة عبره ودروسه.. هي ولا شك في حكم اليقين.. وسواء كان صناع التاريخ أفراداً.. أم شعوباً أم حكاماً.. سيبقى الفيصل في تقييمهم.. مرتبطاً بما حققوه من إسهامات حضارية.. ساعدت البشرية على البقاء.. والاستمرار!! وسيبقى الدرس من التاريخ.. أثمن ما يتعلمه البشر!! وتلك حقيقة أوجزها القرآن الكريم في آيات كثيرة..

﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾

وإذا كان دخول التاريخ.. مسألة سهلة نسبياً.. فإن البقاء في جانبه المضيء.. هو ما يعجز عن تحقيقه الكثير ممن (جاهدوا) لكسب الخلود في صحائف التاريخ!! وإذا كان صدام حسين.. وهتلر.. وأبرهة.. ومسيلمة الكذاب.. قد دخلوا التاريخ.. فهم قد تساقطوا في ردهاته المظلمة.. بينما تبقى أسماؤهم مضيئة.. أولئك الذين أثروا البشرية.. فبقي خالد بن الوليد.. وأينشتاين.. وابن خلدون.. وأديسون.. خالدين في صحائف التاريخ!!
فمن اللامنطق بكل تأكيد.. بل ومن اللاعدل.. أن يستوي القتلة وناشرو الفساد.. وسفاكو الدماء.. مع من أثروا الحياة الفكرية والروحية والأخلاقية!! ويبقى أن كل ما علينا كأفراد.. وشعوب.. أن نتعلم التمييز بين خالد بن الوليد.. وصدام حسين.. وهو أمر لو أدركناه لوفرنا على أنفسنا.. دماء.. وأموالاً.. ومستقبلاً أضحى مظلماً بسبب جهلنا بالتاريخ.. وصحائفه!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى