الأدب والثقافة والفنقضايا الوطن

التاريخ البشري المحظور

التاريخ البشري المحظور

قد يُشكّك البعض أحياناً في تفاصيل التاريخ، وهم قطعاً يملكون الحق هنا، فالتاريخ كان ولا يزال عرضة للتحريف والإضافة والحذف والتدوير، وبالطبع لم يسلم هنا مدونو التاريخ، الذين هم كسائر البشر يحملون، وهم ماضون في مهمتهم لكشف تفاصيل التاريخ، شيئاً من رؤيتهم الشخصية، التي غالباً ما تختلط مع رواية التاريخ المُجرّدة، بل قد تغلب عليها أو تغيّرها في أحيان كثيرة.
من هؤلاء المُشكّكين في تاريخ البشرية يبرز أخيراً الصحافي البريطاني غراهام هانكوك، وهو كاتب وصحافي صَدَرَت له كتب عدة، يجادل فيها في حقيقة الاستكشافات الأثرية، ويرى أن تاريخ الحضارة البشرية يعود إلى أبعد مما تروّج له المؤسسات الراعية والمُشرفة على أهم مواقع الآثار البشرية القديمة.
قام غراهام هانكوك ولأكثر من ثلاثة عقود على تَتَبّع مسار الحضارات البشرية في أكثر من بقعة في العالم، مما استدعى “نتفليكس” إلى إنتاج فيلم وثائقي في ثمانية أجزاء، يتناول التفاصيل التي توصّل إليها غراهام في رحلته الطويلة باتجاه الماضي، متتبعاً خطى أولى حضارات البشر، ومنتقداً الموقف الدفاعي والمتغطرس، كما وصفه، للأوساط الأكاديمية التي تمنعنا من التفكير، على حد قوله.
غراهام هانكوك يقول باختصار إنه وقبل فترة طويلة من حضارة بلاد ما بين النهرين القديمة وبابل ومصر، كانت هناك حضارة أكثر قِدَماً وأشد تألّقاً، ويرى أن هناك أشخاصاً في تلك الحقب البعيدة قد أتقنوا بالفعل جميع فنون وسمات حضارة عالمية منذ أكثر من اثني عشر ألف عام، أو مع نهاية العصر الجليدي، لذلك فهو يحاول من خلال كتبه أو مسلسله، الذي بثّته “نتفليكس”، أن يقنع علماء الآثار بضرورة مراجعة الجدول الزمني القياسي للتاريخ البشري، خصوصاً أن مواقع الآثار في العالم من مصر إلى بالي إلى تركيا وسورياوالعراق وأميركا الجنوبية، كلها تشير إلى أن هناك تشابهاً إلى حد التطابق في المواد المُستَخدَمة والتقنيات التي تم من خلالها تشييد كل هذه المباني المعقدة والمتطورة في هندستها وبنائها، مما يؤكد أن هؤلاء لابد أنهم قد تعلّموا كل هذه التقنيات من حضارات سابقة أقدم بكثير مما تروّج له أكاديميات الآثار الرسمية، وهو أمر يطرح الشكوك حول النظرية المُتداولة، والتي تقول إن البشر كانوا بدائيين في أدواتهم وحياتهم قبل حضارة بلاد ما بين النهرين.
لم يكن غراهام هانكوك أول المشكّكين في حقيقة التسلسل الزمني للحضارات البشرية، فلقد سبق أن نشرت صحيفة التلغراف البريطانية تقريراً، تناولت فيه آراء خبراء في جامعة أدنبرة، تتعلق بالرموز الغامضة المنقوشة على أعمدة حجرية في منطقة “كوبيكلي تبه” في تركيا، مُرجّحين أن هذه الرموز قد تكون بسبب اصطدام دفعات مقنّنة لمذنب بالأرض، وهو أمر قد يكون حدَث منذ نحو 11 ألف سنة قبل الميلاد في حادثة مُدمّرة قضت على الكثير من الأحياء، وهو بالتحديد ما أشار إليه غراهام هانكوك في أحد كتبه بقوله: “إن هذه الرموز هي في الواقع رموز فلكية ترمز للمجموعات النجمية والمذنّب”.
وبالفعل فقد استخدم المُحلّلون برنامجاً حاسوبياً دقيقاً لتحديد مواضع المجموعات النجمية فوق تركيا منذ آلاف السنوات، واستطاعوا عن طريق هذا التحليل توقيت اصطدام المُذنّب بالأرض منذ 10960 سنة قبل الميلاد.
ما أثاره غراهام هانكوك وغيره لا يَفتَرِض فقط أن للإنسان حضارة أبعد بكثير مما تُقر به أكاديميات الآثار، وإنما هو كذلك يثير مسألة موضوعية التاريخ بشكل عام، التاريخ الذي وصفه الروائي الروسي تولستوي ذات مرة بقوله: “إن موضوع التاريخ ليس ما يريده الإنسان، بل تصوّرنا لما يريد”.
تاريخ العالم ممتد وخاضع لأكثر من تقويم وتفسير تناوله العلماء والفلاسفة، واليوم تشارك التكنولوجيا الحديثة في هذه المهمة، فهل تتحقّق معها موضوعية وعدالة السرد التاريخي التي طالما حلم بها البشر؟

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى