
وهكذا انفضت القمة الخليجية وكعادتها.. ومنذ إنشاء مجلس التعاون الخليجي.. انفضت على “تشكيل لجنة عليا لمتابعة تنفيذ قرارات الدفاع الجماعي”.. بالإضافة إلى توصيات تتضمن رفع القدرة الجماعية لدول المجلس في مواجهة المخاطر الأمنية.. وكذلك “أولت أهمية كبيرة لقضايا التعاون الدفاعي ودفعه وبنائه على أسس سليمة”.. وغير ذلك من تأكيدات ووعود تضمنها البيان الختامي للقادة الخليجيين.
على الرغم من إدراك جميع دول مجلس التعاون لأهمية الأمن في المنطقة.. وما يعنيه ذلك بالطبع من إيلاء قضية كهذه اهتماماً رئيسياً.. خاصة بعد أن تعمق إحساس دول الخليج بالخطر إثر الحرب العراقية الإيرانية.. ومن بعدها قضية غزو الوطن.. وما تبعه من حرب مدمرة لاقتصاد المنطقة بأكملها.
فعلى الرغم من ذلك الوعي والإدراك القائم لأهمية قضية الأمن والدفاع.. إلا أن تركيز دول المجلس وإصرارهم على اعتبار العراق وحده المهدد الحقيقي لأمن الخليج.. أو بكون قضية احتلال الجزر من قبل الجمهورية الإسلامية.. كإحدى المعوقات الرئيسية للأمن في المنطقة.. فإن ذلك ولا شك يعتبر تجاهلاً لقضايا لا تقل أهمية عندما يأتي الحديث عن أمن وسلامة دول الخليج واستقرارها.
فعلى الرغم من أوجه الشبه الكبيرة بين أنظمة الدول الخليجية.. والذي ساهم ولا شك في استقلالية دول مجلس التعاون عن باقي الدول المطلة على الخليج العربي.. على الرغم من ذلك التشابه.. إلا أن هناك تبايناً لا يخطئه المراقب للعلاقات الخليجية.. تفرضه الخصائص الذاتية التي يتميز بها كل نظام من أنظمة دول الخليج.. وبحيث يطفو ذلك التباين على سطح العلاقات إثر الأزمات التي يحاول قادة دول الخليج تداركها وفضها.. بأسلوب التراخي الذي ما زال مسيطراً على الحياة السياسية في دول الخليج.
وبالطبع.. فنحن لا نستطيع أن نتجاهل تلك الخلافات كإحدى المعوقات الحقيقية للاستقرار والأمن في المنطقة.. خاصة وأن مجلس التعاون لم يلعب الدور المنوط به كمؤسسة خليجية.. فالأزمة السعودية – القطرية التي تفجرت في سبتمبر عام 1992. تم تداركها.. وإنهاؤها من خارج مجلس التعاون.. وحيث بادرت جمهورية مصر العربية إلى حل الخلاف.. ونجحت في وساطتها بين الدولتين.. في الوقت الذي أخفقت فيه دول مجلس التعاون الأخرى في نزع فتيل الخلاف.
لقد أثارت الأزمة القطرية – السعودية.. فيما أثارت قضايا الخلاف والتباين الكامنة بين دول مجلس التعاون.. إضافة إلى إمكانية وقدرات المجلس على إدارة عوامل النزاع والخلاف والتي قد تحدث في أي وقت بين دوله الأعضاء. هذا بالإضافة إلى القضية الأهم. وهي استقلالية المجلس وأعضائه عن بقية المنظمة العربية.. أو بمعنى أدق مقدرة المجلس كهيئة مستقلة على إدارة خلافاته دون الحاجة إلى وساطة عربية.. أو غيرها.. خاصة بعد الظروف التي خلفتها حرب تحرير الوطن.. وما أعقبها من أحداث.. كإعلان دمشق.. والذي يتضمن إنشاء قوة عربية مشتركة لحفظ الأمن في الخليج.
لقد أثار إنشاء مجلس التعاون.. ولا يزال الكثير من الانتقاد سواء من قبل دول خليجية ليست أعضاء فيه.. أو من قبل دول عربية أخرى.. وبحيث تلتقي نقاط النقد دائماً حول حق انغلاق وانعزال دول مجلس التعاون عن باقي الدول العربية.. ودول الخليج الأخرى.. خاصة وأن دول مجلس التعاون كان ينظر إليها باعتبارها مخزناً للثروة العربية.. وتلك نقطة استغلها زعيم النظام العراقي في الترويج لحقه المزعوم في الكويت.. من خلال زعمه بشأن توزيع تلك الثروة والاستفادة منها في عمليات التنمية العربية. وبالفعل فقد شهدنا محاولات عربية للتصدي لمحاولة الانغلاق من قبل دول مجلس التعاون.. وذلك من خلال إنشاء اتحادات اخرى.. مثل مجلس التعاون العربي.. واتحاد دول المغرب العربي.
لعلّ التحدي الحقيقي والذي واجه مجلس التعاون هو في ظروف نشأته الأولى.. والتي جاءت في أوج التفكك العربي إثر معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية.. بالإضافة إلى ما أثارته الحرب العراقية – الإيرانية من مقومات اللااستقرار في المنطقة. لذا فقد جاء تحدي دول مجلس التعاون من خلال الإصرار على تأكيد تماسك دول المجلس.. ومن ثم اختلافهم تماماً عن أي مؤسسة عربية أخرى.. خاصة في أعقاب الفشل الذي أصاب الجامعة العربية.
لقد حاول مجلس التعاون منذ بدايته التأكيد على حقه في الاستقلالية.. والتي يضمنها تماسك دولة الأعضاء.. وتشابه بنيتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية. إلا أن المجلس.. وبرغم مرور كل هذه السنوات منذ قيامه.. لم ينجح في ترجمة ذلك التماسك إلى قرارات فعلية.. فلم تفتح الحدود.. بل تفاقمت مشاكلها.. ولم تتوحد العملة.. ولا قامت سوق خليجية واحدة.. بخلاف المزايا الشكلية كمنافذ الجوازات في المطارات الخليجية.. فإن دول المجلس قد عجزت في التعبير واقعياً وفعلياً عن حقها في الاستقلالية.
بل وحتى القضايا الأمنية.. ومسألة التعاون العسكري والأمني.. والتي تصر دول المجلس على اختزالها في إطار قوة (درع الجزيرة).. لم يستطع المجلس أن يترجم استقلاليته وتماسكه من خلالها. فقضايا ومشاكل الحدود والتي أصبحت تتفاقم بين دوله الأعضاء.. باتت ولا شك تُطرح تساؤلات حول جدوى (درع الجزيرة) كقوة أمنية رمزية.
أمور كثيرة أصبحت تثيرها قضايا مثل التدخل العربي لحل خلافات أعضاء مجلس التعاون فيما بينهم.. وهي تطرح بذلك تساؤلات مُلحة عن دور المجلس الحقيقي.. فالوساطة المصرية لحل الخلاف السعودي – القطري.. ثم الوساطة السورية بين دولة الإمارات وإيران بشأن الجزر.. أصبحت مؤشرات تدل على عجز الدول الأعضاء عن إدارة خلافاتهم من خلال مجلسهم.
ولعلّ أكثر تلك الأمور حساسية.. يكمن في قضية الموقف الخليجي من العراق.. خاصة وأن التهديد العراقي لم يستثن أياً من دول الخليج!! فالتقارب القطري – العراقي من قبل.. ثم الاستضافة العمانية لأول تظاهرة ثقافية عراقية منذ حرب الخليج الثانية. كل ذلك أصبح يرفع علامات الاستفهام بشأن مقدرة مجلس التعاون الخليجي على التعايش والاستمرار في ظل الخلافات بين أعضائه!! خاصة مع استمرار المجلس في الإعلان عن “حرصه على مواصلة الجهود” في بيانه الختامي.. الرابع عشر مكرر!!
الطليعة 1993/12/29




