غير مصنف

البوهيمية في إدارة الدولة!!

[جريدة الطليعة 6/10/1999]

كانت الكويت إبان مرحلة الستينيات قبلة للمرضى وطالبي العلاج والشفاء من القادمين إليها من دول الجوار، حيث كانت مستشفيات الوطن آنذاك تحتضنهم فتوفر لهم الدواء والراحة والعلاج!! وأيضاً في الستينيات كان لرأس المال الكويتي دور مباشر في إثراء حركة الاقتصاد في بعض الدول المجاورة وإنعاشها بل لقد كان أولئك يستبشرون ويتفاءلون بالأموال الكويتية وبمساهمتها في النشاط الاقتصادي!!
كذلك كان التعليم في الستينيات مبعث فخر لنا واعتزاز، طالت آثاره دولاً كثيرة، بدأت فيها رحلة التعليم بجهود ومساهمات وأموال كويتية خالصة!!
وكان الأمن راسخاً ومشجعاً على الاستقرار فكانت كويت الستينيات منارة جذب هائلة لعقول نيرة وأياد ماهرة كان لها دور بارز في البناء وإرساء بنى الدولة التحتية!! كان ذلك هو حال كويت الستينيات الذي وبكل أسف أجهزت عليه كويت التسعينيات لأسباب يعيدها البعض إلى أمور ومتغيرات ليس بينها ما هو منطقي أو مقبول!! فالتمدد السكاني الذي يحاول أهل القرار والقمة التحجج به لا يعتبر عذراً. لأنه أولاً لم يكن مفاجئاً بل هو متوقع، بل ويفترض أن يكون ضمن خطط الدولة دائماً مجال لذلك التحول والتمدد الطبيعي الذي يتعرض له أي مجتمع بشري!! غير أن ذلك وبكل أسف لم يشكل جزءاً من تصوراتنا وقراراتنا المستقبلية، بدليل الكارثة الإسكانية التي تواجهنا الآن، وبصورة تؤكد لنا يوماً بعد يوم أن الخلل ليس في ذلك التمدد البشري وإنما هو في العقول والضمائر التي رسمت مشاريع ووضعت خططاً مجمدة صاغتها لزمان ومكان واحد غير متحرك ولا متبدل!!
إن الأزمة الحقيقية التي نواجهها الآن ليست أزمة بطالة، ولا هي أزمة ميزانية، ولا هي بسبب تدني التعليم، وأهدافه ومخرجاته، ولا بسبب تراجع الخدمات الصحية، والمستشفيات والعلاج!! وإنما هي أساساً في مفهوم التنمية والبناء بشكل عام، والتي وبكل أسف لم تنم ولم تنضج بالصورة المطلوبة، على الرغم من أن كل ما نعانيه كدولة وكشعب يعود بالدرجة الأولى إلى ذلك الخلل المتمكن من عقول المسؤولين تجاه شروط ومتطلبات أية عملية بناء أو تنمية!!
باختصار شديد جداً، نحن في هذا الوطن ومنذ الخمسينيات بدء تفجر الرخاء والثروة، نسير بلا مخطط أو خطة، ولا نلجأ إلى قوانين تنظيمية أو تشريعات إلا في حالة حدوث طارئ، أو عند تفاقم مشكلة ما، وكما حدث الآن مع الأزمة الإسكانية، ومشكلة التوظيف، وأزمات التعليم والتطبيب وغيرها!! وهي كلها أزمات جاءت كنتائج طبيعية لمنطق “السير على البركة” والتوكل بلا عقلنة أو تنظيم وعمل!!
ولعلَّ أكثر ما يثير في ذلك المنطق (البوهيمي) في إدارة دولة بناسها ومؤسساتها ووزاراتها أنه لا يزال مسيطراً وسائداً على الرغم من كل ما خلف من سلبيات ومآزق جعلتنا جميعاً ننظر إلى المستقبل بخشية وشك!! ولم تهذب تجربة مريرة كمأساة الغزو تلك النزعة البوهيمية في إدارة شؤون الدولة، ولم يطرأ أدنى تحول في وعي المسؤولين وأهل القرار تجاه أهمية قراءة المستقبل وصياغة البرامج والمشاريع والخطط وفقاً لتلك القراءة وليس بمعزل عنها، أو اختزالها في فترة موجزة ومعزولة عن ما سبق من تجارب أو عن ما هو قادم من تنبؤات!! ففي لقاء مع أحد كبار المسؤولين في الدولة حول شؤون الوطن بشكل عام، تحدث فيه عن الأزمة الإسكانية مشيراً إلى أن الطلبات الإسكانية تصل إلى 50 ألف طلب وأن الحكومة تدفع سنوياً 50 مليون دينار بدل إيجارات، وأن المشكلة ليست مشكلة أراض، وإنما هي في كلفة البنية التحتية اللازمة لتجهيزها للسكن، وهي تقارب 11 بليون دينار!! كما تحدث عن أزمة التوظيف مشيراً إلى أن الدولة تحتاج إلى ٪10 فقط من الموظفين الموجودين!! قضايا كثيرة أثارها ذلك المسؤول في حديثه، وكلها تعود إلى أزمة اللاتخطيط السائدة والمسيطرة على عقليتنا الإدارية بشكل عام!!
إن البناء والتنمية والإصلاح بشكل عام هي كلها مشاريع ذات وتيرة مستمرة غير متقطعة وليست قضايا طارئة ومرحلية!! وإذا كنا الآن في التسعينيات نجني ثمار تلك الفوضى والبوهيمية في القرار وفي التخطيط التي سيطرت على عقول أهل القرار والقول في مرحلة الستينيات!! فإن استمرار ذلك المنطق البوهيمي وبقاءه مسيطراً الآن وفي هذه المرحلة الحاسمة من التاريخ البشري تجعلنا لا نخشى فقط طوابير العاطلين عن العمل، ولا طالبي السكن فحسب!! وإنما نشكك في فرص حصولنا على مساحة مكانية وزمنية في جغرافية العالم السياسية والاقتصادية بشكل عام!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى