شئون عربية

البقاء.. للأعقل في المنطقة

البقاء.. للأعقل في المنطقة

الآن.. وبعد العملية العسكرية التي شنتها قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة على العراق.. ينبغي علينا أن نتمعن جيداً فيما تبقى لدينا من أوراق لمواجهة الوضع القائم وعملية التمعن هذه تعني استيعاباً شاملاً.. وفهماً متزناً لكل ما يدور حولنا من أحداث سياسية وعسكرية سترسم ملامح مستقبلنا لسنوات طويلة، فنحن في المحصلة النهائية أمام وضع لا يعتمد على الرغبات والعواطف.. وإنما على المصالح والقوة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.. وبكل ما تفرضه من شروط.. وتمليه من واقع، نحن أمام نتيجة لم ينجح فيها أحد.. ووضع لن يستفيد منه أحد حاضراً أو مستقبلاً، وحتى لا نخلط الأمور ونتصور أن ذلك دفاعاً عن الغير ضد الأرض والوطن.
لنحاول قليلاً أن نتأمل في تصريحات الرئيس المنتخب “بيل كلينتون” عشية العملية العسكرية العاجلة.. فلقد أدلى “كلينتون” بتصريح لصحيفة “نيويورك تايمز” قال فيه أنه قد يتصور إقامة علاقة طبيعية مع صدام شريطة أن يلتزم في سلوكه بالأعراف الدولية، واستطرد “كلينتون” قائلاً أنه “لو أنفق صدام في الاهتمام برخاء شعبه نصف، بل وربما حتى ثلث الوقت الذي يقضيه في الاهتمام بأين يضع صواريخ سام وما إذا كان يستطيع توسيع حدود اتفاق وقف إطلاق النار.. فإنني أعتقد أنه سيكون زعيماً أقوى وفي وضع أفضل كثيراً على المدى البعيد، وتصريح “كلينتون” هذا يحمل في طياته نبرة جديدة لم تكن حاضرة في إصرار الرئيس “جورج بوش” الذي كان يرى أن أمن المنطقة لن يكون واقعاً ولا مقبولاً طالما استمر صدام حسين على رأس النظام في بغداد، فهل سيعني ذلك موقفاً أكثر ليونة من قبل الإدارة الأمريكية الجديدة تجاه صدام حسين؟!
إن الكثير من الأحداث التي عصفت بالمنطقة ابتداء بالحرب العراقية – الإيرانية – ثم غزو الوطن.. ولن نقول انتهاء بحرب الخليج.. هي أحداث تحتاج إلى قراءة متأنية ودقيقة خالية من الشعارات والعاطفة، فقرارات الأمم المتحدة الصارمة.. والتحالف الدولي القائم لا يمكن أن يكون فقط لحماية دولة صغيرة من أخرى كبيرة خرقت الأعراف والقوانين الدولية.. خاصة وأن خرق تلك القوانين هو وضع قائم في أكثر من مكان من عالمنا الحالي والسابق على حد سواء.
قد يكون هذا التفسير مقبولاً ومنطقياً بالنسبة لنا في هذا الوطن.
ولكن ذلك لا يمنع كونه تفسيراً لا يشتمل على الحقيقة كلها، وحتى ندرك ذلك جيداً ما علينا إلا العودة بالتاريخ.. لنتأمل مدى العقلانية وبعد النظر اللذين يتحلى بهما الغرب حين يتعرض الأمر لمناقشة قضاياه المصيرية، تلك العقلانية التي لولاها ما سيطر الغرب وساد، فلقد ذكر “عبدالرحمن النعيمي” في كتابه “الصراع على الخليج العربي” نقلاً عن مروان بحيري – النفط العربي والتهديدات الأمريكية بالتدخل – مؤسسة الدراسات الفلسطينية – بيروت 1980 ذكر حديثاً للبروفسور “روبرت تكر” الذي هو أحد أبرز الصقور الأمريكيين الذين طالبوا مراراً باحتلال منابع النفط منذ عهد نيكسون حتى ريغن.. يقول البروفسور “إن المنطقة الوحيدة التي تتوفر فيها هذه الشروط على ما يبدو هي تلك التي تمتد من الكويت على طول الساحل حتى قطر.. وهي في الغالب شريط ساحلي ضيق لا يتعدى 400 ميل طولاً ويوفر %40 من مجموع إنتاج الأوبك الحالي.. وفيه أكبر كميات احتياطي في العالم على الإطلاق.. أي نحو %50 من مجموع احتياطي أوبك.. و%40 من مجموع الاحتياطي في العالم بأسره.. وبما أن هذه المنطقة لا تشمل مراكز سكنية مهمة وهي خالية من الأشجار.. فإن السيطرة عليها لا تشبه تجربة فيتنام لا من قريب ولا من بعيد.. انتهى حديث البروفسور.
إذاً فنحن بنظر البروفسور “تكر” وبنظر الغرب.. دول قاصرة تجلس فوق أنهار من الطاقة لا تحسن التصرف فيها، معرضة بذلك دول العالم الصناعية لكوارث نقص الطاقة.. بسبب مشاكلها وحروبها، لذلك فإن أقصر الطرق للحد من ذلك التهديد في موارد الطاقة هو بالسيطرة الفورية والمباشرة على هذه المناطق.. وهو ما عبرت عنه صحيفة “نيويورك تايمز” في 25/5/1973 بقولها: “إن عملية عسكرية لتأمين النفط للدول المستهلكة لا تشبه أبداً التدخل العسكري الأمريكي المحدود في فيتنام.. ولذلك سيكون هناك إجماع في الرأي العالمي على مثل هذه الخطوة دونما معارضة.. وعند ذلك لن يكون العرب في موقف قوي يحسدون عليه “انتهى حديث نيويورك تايمز”.
إذاً فمن وجهة نظر الغرب وكما أوردتها إحدى صحفه. إننا كأمة عربية جميعنا خاسرون.. ولم تتحدث عن خسارة دولة دون الأخرى..
وعلى الرغم من أن حديث الصحيفة المذكور جاء في عام 1973 أي دون أن يكون هناك تصور للأسلوب الذي سيتم من خلاله تأمين النفط.. فإن الغرب كان يرى أن في الهيمنة الكاملة على منابع النفط خسارة للعرب جميعاً.. وهو ما لا يستطيع أحد أن ينكره أو ينفيه.. فيما عدا العرب أنفسهم.. الذين وقفوا متفرجين أثناء الغزو ثم أثناء الحرب.. واختلفوا فيما بينهم حول هذا الموقف أو ذلك.. إلى أن حمل الغرب على عاتقه مهمة حسم الخلاف بما يتلاءم ومصالحه.
نحن الآن أمام واقع لم تخلقه أحداث غزو الوطن.. وإنما سارعت في تحقيقه ونشأته، وأمام رغبة في ترتيب أوضاع هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم.. وهي رغبة قائمة لم تثرها أحداث غزو الوطن وإنما مهدت لتحقيقها.
إن باستطاعتنا إطلاق ما شئنا من التسميات والصفات على الوضع القائم الآن.. هيمنة.. استعمار جديد.. سيطرة.. اتفاق حماية.. لا يهم كثيراً ما نستعمل من أسماء.. ولكن المهم أن نتبين مدى ما بحوزتنا من حرية في توجيه مسارنا ومستقبلنا خاصة وأننا الآن أمام نظام عالمي جديد يعطي لمقتل جندي أمريكي واحد في الصومال ثقلاً واهتماماً ما لا يقل عن الاهتمام بمجازر يوغسلافيا.. ولا عن مأساة المئات من الفلسطينيين المبعدين، والأهم من هذا وذاك أننا أمام مد ديني متطرف وموجة سلفية تعم المنطقة بأسرها.. ترفض كل ما يقدمه الغرب العلماني “الكافر” تطالب بعودة الدولة الإسلامية، وتطبيق الشورى لا الديمقراطية الغربية.. والتي جاء النظام الدولي الجديد داعياً لها ومدافعاً عنها..
وسط كل هذه المشاريع المتناقضة.. هل سيولد صراع جديد في المنطقة..؟ وهل سيعني ذلك أننا مقبلون على حقبة ثورية جديدة تتغير معها شروط البقاء.. ليصبح البقاء للأفضل وللأبعد نظراً.. لا للأقوى فقط؟!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى