
في لقاء أجرته “القبس” مع غريغوري غوس، الباحث الأمريكي المتخصص بشؤون الشرق الأوسط. ونشرته الجريدة في عددها الصادر بتاريخ 11/6/95 أكد الباحث الأمريكي أن لا تغيير متوقعاً في العقوبات المفروضة على العراق قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 1996.. مشيراً إلى حساسية الموقف في العراق.. حيث تصطدم الرغبة في الإطاحة بصدام حسين.. بالتخوف من خليفته في قيادة العراق!! لذا فإن واشنطن تريد أن تتأكد أولاً من بديل صدام قبل الإطاحة به!!
وقضية البديل.. هي ولا شك قضية مؤرقة ليس للغرب.. وللمجتمع الصناعي فحسب.. وإنما هي كذلك للشعوب العربية!! فبينما أخذ الغرب الصناعي في إحصاء خسارته.. وتكاليف أخطائه السياسية في منطقة الشرق الأوسط!! يراجع الشعب العربي يومياً.. حسابات مشابهة لرهانات مضت على بدائل لأوضاع سياسية سابقة.. ورهانات مقبلة لبدائل يدفع بها وبإلحاح الواقع السياسي العربي الذي يتزايد غموضاً!!
تطمح الاستراتيجية الأمريكية والغربية في المنطقة إلى تحقيق استقرار يضمن هدوءاً في أكثر المناطق شغباً في العالم.. وأوفرها ثروة!! وقد أدت جولات الصراع واللااستقرار السابقة في المنطقة إلى الخروج باستراتيجية الاحتواء المزدوج.. لأكبر وأكثر دول المنطقة عنفاً وشغباً!! وذلك من خلال إقامة توازن بين العراق وإيران.. يشل أي محاولة لإعلان حرب أو اعتداء!! وذلك بخلاف الوضع السابق الذي اعتمد على تقوية قوة إقليمية واحدة لتوازن الأخرى!!
الإصرار الأمريكي.. الذي جاء في كلمات الباحث “غريغوري غوس”.. على توفر البديل قبل تشجيع أي محاولة للتغيير في العراق.. ينبع ولا شك من الخطيئة الأمريكية في إيران.. والتي اعتمدت الشاه الإيراني الأسبق حليفاً أبدياً.. دون أن يكون هناك أي تصور لبديل قد تفرضه حتمية التغيير التي لا تقل عن حتمية دوران الأرض حول نفسها!! وهو ما عبّر عنه “مارتن أنديك” في مقال نشره حول “الأسلوب الأمريكي الجديد لإدارة الخليج”.. حين قال: “إن الإدارات الأمريكية السابقة قد جربت حظها في بناء (معتدلين) في إيران.. ولكن الذي تعلمناه من أولئك المعتدلين أنهم كانوا مسؤولين عن السياسات التي رفضناها نحن!!” انتهى.
هاجس البديل.. ليس بهاجس الدول المسيطرة على المنطقة فحسب.. بل هو أيضاً وكما سبق وذكرنا.. يعتبر هاجس شعوب المنطقة.. خاصة بعد التجارب العربية مع بدائل.. لم ترق إلى ما روجت له من مثل وصور.. ولم تحقق شيئاً من الشعارات التي أعلنتها ورفعتها عالياً!!
فحركات التغيير السياسي في المنطقة العربية.. لم تتجاوز قشور البنية السياسية!! بل ولم تخل أجهزة النضال العربية من الفساد.. والتسيب والانغلاق التام عن الجماهير ومطالبها!! بشكل جعل تلك الجماهير.. تجتر مظاهر الانحطاط والفشل ذاتها!!
لعله من سوء الحظ.. أو هو من صدف التاريخ.. أن تأتي حركات التغيير العربية.. متزامنة مع أحلك المراحل في التاريخ العربي الحديث.. وأصعب فتراته.. حيث مُنيت الأمة العربية بالخسائر المتتابعة في وجه الدولة اليهودية.. واعتصرتها التكاليف الاقتصادية للحروب.. والتي كانت على حساب برامج التنمية العربية!!
لكن سوء الطالع أو الحظ في البدائل على الساحة السياسية العربية.. لن يُبطئ عجلة التغيير.. ولن يوقف حركة التاريخ!! والحكمة هنا تقول إن على الشعوب العربية أن تدفع بسياسة واستراتيجية تقيانها شرور بدائل من مثل صدام حسين.. فإذا كان الغرب.. ولأسباب مرحلية.. تفرضها الثروة النفطية.. واحتياجات الطاقة في الدول الصناعية.. قد خرج باستراتيجية تسهل عليه عملية انسياب وتوفر الطاقة النفطية.. دون مشاكل أو عراقيل تغلق مصانعه ومشاريعه.. وتنغص دفء ليالي شتائه، فإنه أولى بنا كذلك.. أن نصبو إلى توفير استقرار لا تقلقه تكهنات ومخاوف من بدائل تفقدنا شهيتنا وحقنا في بناء مجتمعات عربية عصرية تقدمية!! وهو أمر لا يتحقق دون أن يكون هنالك حضور جماهيري حقيقي وواع لصعوبة وحساسية التغيير.. من خلال بناء كيانات ديمقراطية.. لا يكون فيها دور الجماهير ثانوياً.. يقتصر على شكليات عمليات الانتخاب والترشيح.. وإدارة المجتمع من فوق!!
لقد عبرت المنطقة العربية بمشاريع تنموية كثيرة.. كان أحدها مشروع الوحدة العربية.. والذي كان بإمكانه أن يكون مشروعاً فاعلاً وواقعياً!! لو لم تغب الجماهير عنه.. وتغيب الديمقراطية وتلغى من بنوده!! كما سبق مشروع الوحدة العربية.. مشاريع عربية منفردة.. للنهوض بأقطار عربية كثيرة.. في أعقاب انقضاء مرحلة الاستعمار.. والهيمنة!! سرعان ما غيبها.. غياب الديمقراطية.. بغياب جماهيرها!!
قد لا نلوم الغرب الصناعي.. إذا ما قايض نجاة وخلاص شعوب.. سواء كانت في العراق أو غيره.. من الظلم الواقع عليها.. بتوفير بديل يضمن استقراراً وفق الوصفة الغربية!! فذلك من حقهم.. وفقاً لمنطق الطبيعة في أن البقاء والاستمرار.. للأقدر على التغيير والتكيف!! لكننا بلا شك نلوم أنفسنا.. وبشدة.. لتعاملنا القاصر مع متطلبات الخلق والبناء.. ولتخاذلنا الذي يقتلنا.. عن القوة الحقيقية المختزنة في البديل الجماهيري!!
