غير مصنف

“البدون” وشروط المواطنة

[جريدة القبس 20/11/1995]

قضية البدون من القضايا العالقة والتي تعاقبت عليها مجالس برلمانية عديدة دون أن يحسم أمرها!! والبدون اصطلاح تنفرد به الكويت كدولة وكيان سياسي!! حيث ترمز الكلمة للمواطن البلا هوية!!
قضية البدون كانت دوماً من أكثر القضايا بروزاً، نظراً لتبعاتها الخطيرة والحرجة حيث تتعلق مباشرة بكينونة أهم اللبنات في البناء المجتمعي بوجه عام!! وقد زاد من بروز القضية إلى المقدمة ظروف غزو الوطن، ومساهمات المواطن بشكل عام سواء في مقاومة الاحتلال أم في رفع المعاناة عن المواطنين المدنيين العزل!! وهو أمر فرض معه تغيراً جذرياً في شروط المواطنة وحقوق الفرد في الانتماء!!
لا شك أن قضية البدون بوجه عام تقف شاهداً على خلل كبير في تحديد أسس المواطنة بل وحتى الشروط التي كان قد تم وضعها في بداية وضع وصياغة قوانين التسجيل والتجنيس لم يتم الالتزام بها!! حيث كانت دائماً تخترق من قبل بعض المتنفذين!!
الآن، وبعد أن تفاقمت قضية البدون وأصبحت ثغرة في بناء الوطن، سخرها الكثير لأغراض تتفاوت مع تفاوت الدوافع المحركة!! الآن وبعد أن تبناها دعاة حقوق الإنسان لشن هجومهم على الانتهاك البشري في هذا الوطن!! الآن وبعد أن تضاعفت أعداد البدون.. وأصبح لهم نقاباتهم وممثلون في لندن وغيرها من عواصم العالم!! الآن وبعد كل ذلك، أدركت الحكومة حساسية هذه القضية.. وتبعاتها!!
هناك مخاوف وتحذيرات يعبر عنها الكثير من أبناء هذا الوطن وذلك مع اقتراب الحسم في قضية البدون، وهي مخاوف لها ما يبررها.. فالكل يدرك أن تحديد هوية المصنفين (بدون) ليست مسألة صعبة أو مستحيلة.. خاصة إذا ما نحن اعتبرنا حجم المجتمع في الكويت وطبيعة الروابط الاجتماعية!! وهي خاصية تمكن المجتمع من تحديد هوية أي فرد فيه وبسهولة!! وإذا كانت هنالك استثناءات فهي حتماً لن تكون أساساً لأي قانون أو قرار يصدر بشأن تحديد هوية أي من اللامحددين!!
مخاوف المواطن من الأسلوب الذي سيتم به حل قضية البدون المعلقة ولها مبرراتها، استقاها من تجارب سابقة لقوانين التجنيس!! حيث صفقات منح الجنسية جردت الحاصلين عليها من الانتماء الطبيعي للأرض وللوطن.. ليحل محله انتماء وولاء لصاحب الفضل في حصولهم على الجنسية!! وإذا كان الوطن قد استطاع احتواء تلك التجاوزات في مراحل سابقة!! فإننا الآن نخضع لظروف هي بالتأكيد أعقد مما كانت عليه في السابق!! ظروف تفرض وتتطلب نزاهة وعدالة وعدل.. قبل وضع أي مشروع للقضاء على هذه المشكلة!!
لقد أقام المماليك في مصر دولتهم التي امتدت إلى أقطار عربية أخرى لما يزيد عن القرون الثلاث بانتماء تركي ومغولي!! جعل تلك الحقبة من أكثر العصور العربية جموداً، حيث تميزت حقبتهم بالجمع والتصنيف دون الخلق والإبداع والابتكار.. كما كان حال العرب فيما قبل!! لقد عاش المماليك مع جهاز دولتهم الإداري والحربي بمعزل تام عن دائرة العروبة بقسماتها الحضارية!! قبل أن يلقوا بالبلاد في أيدي العثمانيين!! لم يكن للمماليك انتماء عربي لمحيطهم بقدر ما بنوا انتماءهم الأول لولي نعمتهم ورمز انتمائهم السلطان الأيوبي نجم الدين أيوب.. الذي جلبهم ليكونوا حرسه الخاص.. وذلك قبل أن ينفرد مملوكه عزالدين أيبك بالسلطة كلها.
قضية البدون خطأ ما كان له أن يبقى عالقاً ليتشعب ويتسع كما هو الحال الآن.. لو لم يكن هنالك من يقتات على بقاء الخطأ عالقاً!! وهي خطيئة بحق كل من خضع لتصنيفها.. وعانى وبال العزلة وهو بين أقرانه وأهله!! غير أننا لا نريد أن يكون تصحيح الوضع الخاطئ والشاذ (للبدون) مدخلاً نحو مزيد من الأخطاء!! خاصة وأن هنالك الكثير ممن لجأوا إلى ذلك التصنيف هرباً من هويات أخرى.. أو طمعاً في امتيازات يوفرها الانتماء لهذا الوطن!!
إن أية محاولة جادة لتصحيح هذا الوضع عليها أن تلتزم شروطاً جادة في تحديد آخر للمواطنة والانتماء لتصبح للأرض وللوطن فقط!! لا لفرد أو مؤسسة!! وذلك في حد ذاته خطر قد يدفعنا جميعاً مستقبلاً إلى مزيد من المعاناة!!
فكما اشترى البعض حاجة العمالة لكسب قوتهم.. بحيث امتلأت ساحة الوطن بالعمال الـ (بدون).
صاحب عمل!! قد يشتري البعض ذاته ولاء وانتماء هؤلاء الـ (بدون) هوية!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى