الأرشيف

الاقتصاد جوهرة التاج الكويتي

[جريدة القبس 4/10/1999]

لا يستدعي الأمر خبيراً في علم الاقتصاد والمال ليتبين حجم التراجع والتدني الملحوظ، الذي سيطر على عالم التجارة والمال في هذا الوطن! فالبورصة تشكو، وحركة المال تكاد أن تكون مجمدة، والتجار، كباراً وصغاراً، يتذمرون ليل نهار من ذلك الجمود والانهيار.
أما الحكومة فهي لا تتوقف عن الاسترسال في وعودها بتعجيل وتفعيل دفة الاقتصاد والمال والتجارة! دون أن تبادر بإطلاق برامج أو خطط فاعلة ونافذة لتفعيل تلك الوعود!
حتى لقد أصبح لتصريحات الحكومة مفعول اللسان الأخرس في إثارة أي نشاط تجاري أو مالي، وذلك ليقين المواطن بعدم جدية تلك التصريحات ومن ثم عدم التزامه بها، أو التأثر والتحرك وفقاً لنصوصها أو بناء على ما تروج له من وعود أو أخبار، ففي العالم كله تتمايل بورصة المال وتتأرجح مع حركة الأحداث السياسية، وسخونة التصريحات الرسمية، بينما هي في الكويت صماء وخرساء لا تتفاعل مع ما يدور حولها ولا تستجيب، حتى وإن كان الأمر استقالة حكومة أو إقالة مسؤول هام جداً!
قد تكون للركود الاقتصادي الحالي أسباب كثيرة، لكن أهمها على الإطلاق ما يتعلق بانعدام الثقة الذي أصبح مسيطراً على جميع الأطراف، وعنواناً رئيسياً لكل التعاملات، رسمية كانت أم لا! فالحكومة تسيء الظن بالقطاع الخاص، والقطاع الخاص بدوره لا يثق ببرامج الحكومة ولا بوعودها! والشركات تستنزف جهوداً كثيرة في سبيل الإيقاع بغيرها! والمستثمر يشكك في نوايا المؤسسات المالية، وهكذا تدور رحى الاقتصاد والمال في مزاج ومناخ سوداوي الطابع والنكهة! لا شك في أن الدولة بمؤسساتها الرسمية تتحمل الوزر الأكبر والأول في ما آل إليه الاقتصاد في هذا الوطن! فبالإضافة إلى عجلة الروتين القاتل في إجراءات ومعاملات الشركات، وفي مزاج وزارة التجارة البطيء والمتكاسل دائماً، هنالك أيضاً طابع الجمود المسيطر على أجهزة الدولة، والذي يخلو من المرونة المطلوبة عادة لتحريك الاقتصاد ودفع دولابه نحو أنشطة استثمارية جريئة، وهو جمود أدى إلى امتناع شركات طيران كثيرة، وبواخر تجارية، عن القدوم إلى الكويت للتنزيل وإرساء حمولاتها، مفضلة بذلك موانئ خليجية أخرى عن الكويت، تفي بأغراضها ومهامها التجارية، وبتسهيلات لا توفرها القوانين الاقتصادية الكويتية، والتي تتجاوز فيها رسوم التنزيل عشرة أضعاف ما هي عليه في موانئ خليجية أخرى!
يقال في عالم المال والاقتصاد إن رأس المال جبان، فهو لا ينشط ولا يتحرك إلا بحماية القوانين الفاعلة التي تضمن له مروراً وبقاء سلساً! وذلك بحد ذاته أزمة الأزمات في الكويت، حيث لا يفتقد المناخ الاقتصادي للقوانين الفاعلة وحسب، وإنما كذلك للقرارات الجريئة، والخطط الاقتصادية المدموغة بآراء المخضرمين في ذلك المجال والعارفين ببطونه ومسالكه! والذين أصبحوا يعانون ليس من ندرة القوانين الاقتصادية وشحها فقط، وإنما من تضاربها الذي خلف أزمات وكوارث اقتصادية أقسى وأعنف من الأزمة الأم! ولنا في أزمة المناخ خير دليل وشهادة! حيث ضاعف ذلك التضارب المؤسف في القوانين الصادرة بشأنها من الأزمة وبصورة جعلتها تسيطر على المناخ الاقتصادي حتى مع مرور ما يقارب السبعة عشر عاماً على تفجرها.
لقد فقدت الكويت وأهلها جوهرة كانت تضيء تاج الوطن! فبعد أن كان الاقتصاد الكويتي مثار فخر واعتزاز لكل مواطن، ومبعث إعجاب ودهشة من دول ومؤسسات اقتصادية عالمية وعربية، أصبح الآن مدعاة للأسف وللترحم على أيام كانت فيها الكويت حقاً درة الخليج ومثله الأول! حيث تراكمت أتربة القرارات البطيئة، وقصر النظر الاقتصادي والروتين الممل والقاتل، فحجبت بريق جوهرة التاج الكويتي، وطالها غبار القوانين الاقتصادية العرجاء! فمن يملك الحكمة والضمير لإعادة البريق لاقتصادنا، قبل أن نقول ونستسلم بأن ذلك كان زماناً راح وولى، وأننا أصبحنا جميعاً في هذا الوطن ضحايا جنوح خيل السياسة الجامح الذي قذف بعربة الاقتصاد إلى الحضيض، واللا عودة!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى