
قام عالم الجينات والدكتور في أمراض النساء والولادة.. بتجربة فريدة ومثيرة في آن واحد، حيث استغل ذلك الدكتور مجال عمله في أحد مراكز أطفال الأنابيب في أمريكا لإجراء تجربة حمل على أحد القردة الذكور، فقام بتلقيح بويضة وزرعها في تجويف الأمعاء الغليظة لقرد ذكر، ثم إعطاء القرد الكمية المناسبة من الهرمونات الأنثوية، بأسلوب مشابه لعملية طفل الأنبوب، وقد كان من شأن هذه التجربة أن أتت ثمارها، واستمرت فترة الحمل للقرد الذكر ومضت بسلام وهدوء.. إلى أن عمد الطبيب نفسه إلى إجهاض القرد في شهره السادس من الحمل، ليس لمضاعفات أصابته ولا لخطر محتمل، وإنما لخوف الدكتور من ردود الفعل الأخلاقية لتجربته الغريبة هذه!
هذه التجربة شأنها شأن تجارب أخرى كثيرة في حقل علم الجينات والهندسة الوراثية، أصبحت تثير تساؤلات لا يزال أغلبها عالقاً، حول حدود تلك التجارب، وآثارها المرتقبة على مسلمات وأخلاقيات بقيت وإلى عهد قريب جداً من الأمور المطلقة!
هذا هو شأن عالمنا اليوم: مليء بالمفاجآت والاختراقات في عالم المعرفة والعلوم، لا يخلو أغلبها من تناقضات صارخة تصطدم بما في حوزتنا من معطيات معرفية وعلمية وأخلاقية.
عالم متسارع الخطى، لن تجدي معه المكابرة والتحدي، بل العقلنة والفهم والنضج.
في عالم كهذا، يخوض تجارب علمية لإلغاء الفوارق البيولوجية بين المؤنث من المخلوقات والمذكر منها، يصبح الحديث عن الاختلاط والفصل بين الجنسين حديثاً ضحلاً خاوياً وساذجاً.
فعلى الرغم من أن المغزى في قلب الشاعر، كما يقولون، بمعنى أن مشروع منع الاختلاط المقدم من بعض نواب المجلس يرمي إلى تحقيق مكاسب سياسية انتخابية، إلا أن تمادي البعض في الحديث عن مساوئ الاختلاط كما لو كان الخطيئة الكبرى في خطايا البشر، يدفعنا جميعاً إلى الإصرار على المزيد من العقلنة في مواجهة عالمنا القادم بمفاجأته بدلاً من اللجوء إلى كهف الإنسان الحجري، مع هراوته وهو يجر من ورائه شعر أنثاه وامرأته، فتلك صورة كانت صالحة ومتفقة مع مطلبات ذلك العصر.. حيث كان الإنسان في بداية نشأته، والجنس البشري في أولى مراحل تطوره، وكانت الطبيعة تفرض نوعاً محدداً من العلاقة بين الجنسين، يضمن للجنس البشري البقاء والاستمرار وهي صورة لا يشك أحد أنها اختلفت اليوم، وأن مرحلة وحقبة جديدة من مراحل تطور الجنس البشري قد بدأت، وإن العلاقة بين الجنسين قد تطورت عما كانت عليه في حقبة الكهف والإنسان الحجري!!
لا شك أن ما أحدثته الطفرة الاقتصادية وتفجر الثروات في مجتمعاتنا في شبه الجزيرة العربية، قد فاق في أثره مقدرة البعض على التكيف وتقبل مستجدات المرحلة الجديدة، وقد كانت هنالك محاولات كثيرة لوقف التحولات الاجتماعية والسياسية التي أحدثتها ثورة النفط، وما جلبته معها من هزة قوية لمفاهيم وقيم وقناعات كانت مطلقة وحازمة لفترات طويلة.. حتى لقد كان الاستماع إلى الراديو خطيئة، وتدخين التبغ جريمة وخروجاً عن الدين، والتعليم فسقاً وفجوراً، غير أنها محاولات سرعان ما تلاشت وفترت فورتها مع ما فرضته المرحلة من تغييرات. قضية الاختلاط هي اليوم مشابهة لتحريم السيجارة والراديو في مراحل سابقة وليس ذلك لانحلال في الرؤية، وفسق وفجور في النوايا، وإنما لأن الحديث عن الاختلاط اليوم يعتبر حديثاً شاذاً في زمن يسعى العلم فيه إلى إلغاء الفوارق البيولوجية التي تفصل بين جنسي البشر، والتي وإن كانت تجارب شاذة ومرفوضة، إلا أنها أيضاً موجودة، وإنكارها لا يدفع إلى إلغائها. لا نريد هنا أن نتحدث عن التكلفة المالية والاقتصادية لسن قانون الفصل بين الجنسين، فتلك قضية حسابية واضحة، لا تقبل الجدل وإن كان الحديث عن المبدأ والفكرة قد أصبح حديثاً واجباً وملحاً، على من هم في عربة القيادة وبيدهم مسؤولية إدارة وتنمية وتوعية هذا الوطن بأبنائه، أن يبادروا إلى توعية أهل الكهف وإيقاظهم، ومن ثم إعادتهم من عصرهم الحجري، إلى عصر الذرة والكمبيوتر وهندسة الوراثة!
