
استأذنت الزميل أحمد الصراف، قبل التعقيب على مقال ثمين له، نشرته القبس في الشهر الماضي! المقال تناول قضية تناولتها الدراسات الاجتماعية والسلوكية، قضية ثقافة الإنسان وسلوكه ودرجة ارتباط فكره ومبادئه بالبيئة التي نشأ فيها! الزميل أحمد الصراف أشار في مقاله إلى أن الإنسان ابن بيئته، فهو يحب ويكره ويأكل ويرتدي ويتأثر بدرجة أو بأخرى بالبيئة وظروفها، وتقدمها وتأخرها وفقرها وغناها! الأهم من ذلك فيما ورد في مقال الزميل أحمد الصراف، هو إشارته إلى بحث علمي نشر مؤخراً في “لوس أنجلوس تايمز”، يقول إن تربية الأطفال بطريقة علمانية من دون ربطها بعقيدة ما قد تكون أفضل لصحة الأطفال العقلية مستقبلاً!
بداية، نود الإشارة هنا إلى أن العلمانية ليست كفراً، كما يروج أصحاب الإسلام السياسي، وإنما هي قائمة أساساً على فصل الحكومة والسلطة السياسية عن السلطة والشخصيات الدينية، وهي تكفل الحق في عدم اعتناق دين معيّن أو تبني دين معين ديناً رسمياً للدولة، وهو مبدأ راسخ في الدين الإسلامي من منطلق “لكم دينكم ولي دينِ”، و”لا إكراه في الدين”، وغيرها من آيات تنطبق بحكمة الاختيار الإنساني، لكنها تبقى وبكل أسف مجمدة وغير قابلة للتطبيق في مجتمعاتنا الإسلامية الحاضرة!
في يناير الماضي، أعلنت وزيرة التربية والتعليم الفرنسية عن خطة تكلفتها 250 مليون يورو، من أجل تعليم الأطفال من سن السادسة حتى سن الـ18 احترام قيم الدولة العلمانية، مشيرة إلى أن قراراً كهذا يجب ألا ينظر إليه على كونه هجوماً على الأديان، وإنما لضمان حقوق متساوية لجميع الأديان! فالدولة العلمانية تفترض أن أفراد أي مجتمع لا يمكن أن يجمعوا على رأي واحد، وإنما أساس العلاقة بين الأفراد هو الاختلاف، هذا الاختلاف ليس هو المشكلة هنا، وإنما تكمن الإشكالية في كيفية خلق بيئة صحيحة يتعايش فيها هؤلاء المختلفون، أساسها قبول الاختلاف واحترامه! وهو بالتحديد ما تفتقده مجتمعاتنا العربية والإسلامية، التي تفتك بها الحروب والمجازر بسبب غياب ثقافة قبول الاختلاف، وإن كانت تمس عقيدة أو مذهباً!
المؤسف هنا أن حركة التنوير في أوروبا، التي حققت معها أوروبا ما تتمتع به اليوم من ازدهار واستقرار، قد قامت في القرن الخامس عشر، معتمدة على كتب ابن رشد العربي المسلم، حيث تم التركيز على رأي ابن رشد في العقل وتحليله ورؤيته لفلسفة أرسطو! حركة التنوير هذه قادت إلى حركة الإصلاح الديني بقيادة مارتن لوثر، الذي كتب 95 احتجاجاً على سياسة البابا والكنيسة، وعلقها على بوابة الكاتدرائية في ألمانيا، ولتبدأ معها حقبة التغيير في أوروبا! قطعاً سيهاجم “الجهلة” ما قاله الزميل أحمد الصراف، وهذا الهجوم ما هو إلا دليل على حاجتنا بالفعل إلى إعادة النظر في تنشئة أطفالنا على أن يكونوا أقل عنصرية في محاورة الرأي الآخر!
