الأرشيف

الإنسان.. أخطر الكائنات

[جريدة القبس 8/8/2022]

يأتي الإنسان كأضعف الكائنات على وجه الأرض، فالحيوان والنبات ثَبَتَ بيولوجياً أن لديهما قدرة على البقاء تفوق مقدرة الإنسان بمراحل، ومعيار القدرة على البقاء هنا أو القوة يُقاس بمدى ذكاء الكائن على التكيّف مع البيئة المحيطة به.
في عالم الحيوان كما النبات يكون للصراع مبرراته كالحصول على الغذاء أو الظّفر بقرينه الذي يضمن له استمراريته كنوع. لذلك يمكن القول إن هنالك شيئاً أقرب للاتفاقيات داخل عالم الأحياء والحيوان بالتحديد لتحاشي قتل النوع، وفي أغلب الحروب والصراعات داخل مملكة الحيوان، هنالك إقرار بالهزيمة من جانب الطرف الأضعف ينتهي معها الصراع، ويؤدي ذلك إلى حماية مباشرة للنوع. وقد عبّر عن ذلك أحد علماء البيولوجيا في رصده لسلوك الحيوانات وطبيعة الصراع داخل نوعها حين قال: “إن للحيوانات شريعة أخلاقية تعيش بموجبها وتتقيّد بها تقيّداً أفضل من تَقيّد البشر بشريعتهم”.
فما الذى يجعل للأحياء الأخرى مثل هذه المنظومة من السلوكيات الأخلاقية بينما تَغيب تماماً من مجتمع البشر؟ والإجابة هنا استدعت طروحات مُكثّفة من قِبَل علماء النفس والبيولوجيا، ولا تزال الأبحاث مستمرة للكشف عن أسباب تفوّق الحيوان والنبات على الإنسان هنا.
تعلّمنا في دروس العلوم ونحن صغار أن الإنسان حيوان ناطق وذو عقل، وبأنه كائن اجتماعي وله القدرة على استرجاع المعلومة وتطويرها، وبالتالي تمكّن بفضل ذلك من أن يكون له تاريخ، لكن في المقابل هنالك من يرى أن عقل الإنسان هو في الحقيقة سلاح ذو حدّين، وبأن أغلب مشاكل البشر النفسية والصحية تعود لامتلاكهم مثل هذا العقل. وأنَّ جل عملية استرجاع الأحداث في العقل البشري تدور حول كيفية التفكير، ومن ثَمّ التعامل مع نوايا الآخرين. بمعنى آخر إن العقل هنا ما هو سوى أداة حماية لنا من الآخر، أي إنه عنصر مهمٌّ من عناصر الصراع داخل المنظومة البشرية. بل إن هنالك من علماء النفس من يذهب بعيداً في تفسير مثل هذا الصراع مع الآخر، فيصفه بكونه محاولة غير واعية للهروب من الذات أو من العقل الداخلي والخاص بنا، وذلك بافتعال ـــ إن صح التعبير هنا ـــ حرب أو نزاع أو خلاف مع من هم خارج دائرة وعينا.
قد نكون جميعاً وبلا استثناء في حالة هروب من مثل هذا الوعي الداخلي أو من أنفسنا، فنحن إما أننا نُسرِف في العمل بلا توقّف وإما في الترفيه وإما في ممارسة طقوس اجتماعية أو بدنية أو في البحث والقراءة ومطاردة كل مستجدات العلم. ويأتي على قمة مثل هذه المحاولات اللاواعية للهروب ما نَشُنُّ من حروب ومعارك ضد الآخر، وسواء كانت حروباً عسكرية أو معارك كلامية، فالهدف في النهاية هو حماية الذات من المُساءلة أو اللوم أو حتى الذّنب وذلك عن طريق إلقاء اللوم على أطراف خارج حدودنا الجسدية والنفسية.
في تقرير نشرته “بي بي سي” منذ ما يقارب خمسة أعوام، طرحت فيه سؤالاً حول ماذا يمكن أن يحدث إذا أصبحت جميع الحيوانات ذكية مثلنا؟ وهو السؤال الذي أجاب عليه أحد أساتذة علم تطوّر سلوك الكائنات الحيّة بقوله إن الفوضى سَتَكون الكلمة المناسبة لوصف ما قد يحدث. مضيفاً أنه لا ينبغي علينا بالقطع افتراض أن الاتصاف بالذكاء هو أمر جيد، بينما علّق أستاذ آخر على مثل هذه الفرضية بأننا، وفي ظل سجلّنا الحافل بإبادة الأنواع الأخرى من الكائنات، وكذلك إبادة بشر مثلنا فإن ما من سبب يدعو للاعتقاد بأننا سَنَتَصرّف في حالتنا الافتراضية هذه بشكل مختلف بأي حال من الأحوال، لا نحن ولا تلك الكائنات التي سَتُصبِح في هذه الحالة على دراية بقدراتها ومشاعرها ووضعها.
الغريب أن أغلبنا يَفتَرِض حتى مع غياب الدليل العلمي هنا أن الإنسان يملك قدرة أقوى من سائر الكائنات على البقاء. وقد نكون بالفعل قد تَفَوقنا كنوع على الأنواع الأخرى بقدرتنا على تطوير قدراتنا المعرفية، لكن ذلك ليس العامل الوحيد الذي يَضمَن البقاء والذي يشتَرط أموراً اكثر تعقيداً من ذلك. الخلاصة أن الإنسان ربما ليس الأقوى في قائمة الأنواع، لكنه حتماً الأخطر.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى