
تأجيل غير مبرر لحل مشاكلنا
الإقرار بالديمقراطية وتنظيم تداول السلطة داخل الأسرة طريقنا الحتمي للإصلاح
من الواضح أن هناك خللاً لدى البعض في ما يتعلق بتحليل المخاض السياسي الذي تعبره الكويت في هذه المرحلة، خصوصاً في إصرار ذلك البعض على اختزال حل الخروج من المأزق الراهن في حكومة معينة، أو في شخصية سياسية محددة بعينها.
المراهنة على الحكومة، أو حتى على رئيس مجلس وزراء بعينه لتحرير الكويت من مأزقها يعني تقويضاً لثقافة الديمقراطية التي ترسخ مرجعية الأغلبية في القرارات، وتنبذ سيادة الأفراد أو شخصنة الانتماءات والمشاعر الوطنية. تلك الثقافة استطاعت الكويت أن تتخطاها وتقطع شوطاً معقولاً في مسارها الطويل، سواء من خلال الانتخابات البرلمانية ومجلس الأمة.. أو من خلال طاقات النقاش الحر داخل المجتمع بأفراده جميعاً.
مثل هذه المراهنة الشخصانية سبق أن تبنتها تيارات في السابق.. وأثبتت الأيام والأحداث زيفها.. فكانت أشبه بالشماعة التي علق عليها البعض آمال الإصلاح والنهضة.. وأماني التغيير والتطوير.
لقد تفاقم حجم مثل هذه المشكلة اليوم مع دخول أجهزة الإعلام، مرئية ومسموعة، كانت أو مقروءة، على الخط، ومساهمتها بشكل مباشر أو غير مباشر في تضليل الشارع والمواطن بالنسبة إلى جوهر الصراع الحقيقي.. الذي هو أبعد بكثير من مجرد وجود شخص ما في منصب ما.. صراع يعود في تاريخه إلى حقبة ما قبل وفاة المغفور له الشيخ عبدالله السالم.
الصراع المشوَّه
هذا هو الصراع الحقيقي الذي يصرّ البعض اليوم، متسلحاً بأجهزة إعلامية متطورة، على تمويهه.. وافتعال معارك وصراعات طائفية وقبلية بهدف إنكار حقيقة الصراع الذي يكاد يدمر الكويت.
نحن، وبكل أسف، أمام صراع مشوّه يسعى لتجنيد القبيلة والطائفة كأدوات ناجعة في المعركة، وبغض النظر عن الكلفة الباهظة لذلك. هنالك تسييس متعمد للدين يقف وراءه من يقف، وهنالك أيضاً تسييس مخيف للقبيلة تحركه أيادِ واضحة للجميع.
ونحن هنا، ووفقاً لتداعيات الأمور في الفترة الأخيرة، نقرّ بنجاح أولئك الذين أقحموا القبيلة والدّين في الصراع ليحققوا أهدافاً مرحلية تخدم أجنداتهم الخاصة.. حتى وإن كانت ستُلقي الكويت في بحر من ظلمات التطاحن الطائفي والعرقي! فها هي شعلة الإعلام الحر تكاد تفقد بريقها.. وها هي الوحدة الوطنية التي حمت الكويت في أحلك مراحلها التاريخية تتهاوى تحت أقدام أولئك الذين طالما تضرروا من عنفوانها.. وأقلقهم تعاضد الكويتيين وتآزرهم، سنة وشيعة، حضراً وبدواً، تحت راية الكويت فقط.
الأب والمنشأ
مخطئ من يرى أن الأحداث الأخيرة، التي كادت تجرف الكويت في حمى الصراعات الطائفية والعرقية، مجهولة الأب أو يتيمة المنشأ.. وسواء كان في تجمع العقيلة والأندلس الذي لم يكن أبداً عفوياً، أو في ظهور الجويهل في هذه المرحلة الذي لم يكن مصادفة أبداً.. أو في جدل دخول شخصيات كالفالي، والعريفي، ونصر أبو زيد.. والذي لا يمكن أن يكون عارضاً.. في كل تلك الأحداث كانت النتائج “مثمرة” وفق معايير أصحاب الأجندات الخاصة.. فالحريات، سواء حرية الرأي أو العقيدة، أصبحت تهدد الأمن القومي! والانتماء للقبيلة أصبح فجأة انتهاكاً للوحدة الوطنية.. والاعتقاد بمذهب ما يحمل تهديداً لعلاقة الكويت بجيرانها!
لقد باعد مثل هذا التشرذم في قضايانا بيننا وبين قضيتنا الوطنية الحقيقية، وهذا بحد ذاته هو التهديد الحقيقي للوحدة الوطنية التي أصبحت، وبكل أسف، شعاراً من الشعارات لا هدف وطنياً حقيقياً له.
في مثل هذا المناخ، يكون منطق المراهنة على فرد منطلقاً خاطئاً، بل وخطيراً.. فلقد جردنا من منظارنا البانورامي للأحداث، والذي استبدلنا به، وبكل أسف، منظاراً أحادي البعد لا يُمكننا من رؤية المشكلة بأبعادها الحقيقية.
إن الإمعان في الترويج لقدوم “مخلص منتظر” يحمل إمعاناً في تجاهل جوهر الأزمات الحقيقي.. ويعني تأجيلاً غير مبرر لإصلاحها.. فنحن أمام قضية واحدة، إذا تم حسمها سارت سائر قضايانا بالتبعية في طريق الصواب! قضية الإقرار بالديمقراطية بكل أسسها، وبغض النظر عن توافقها مع أجنداتنا الخاصة أم لا، فإنها أمر يعتبر صمام الأمان في الديمقراطيات الحقيقية كافة!
إن تنظيم عملية تداول السلطة داخل أسرة الحكم، ونبذ الخلافات فيما بين أركانها يقطعان الطريق حتماً على كل المراهنين على الأفراد في تنبؤاتهم حول مستقبل الكويت.
