الأرشيف

الإلحاد!

[جريدة القبس 4/4/2017]

نشرت الصحف في الأسبوع الماضي خبراً استخدمته إحدى الصحف كعنوان رئيسي، ما سلط الضوء عليه بشكل أكبر! الخبر هو تصريح لمراقبة الخدمة النفسية في وزارة التربية، تتناول فيه بعض السلوكيات الخاطئة في مدارسنا، حيث تكشف، كما قالت، عن حالات محدودة لإلحاد داخل صفوف الطلبة، وبالرغم من أنها، كما قالت، تعتبر حالات محدودة ولا تشكل ظاهرة، إلا أنها على حد تعبيرها “جرس إنذار كي نتحرك لدرء الخطر”.
بداية نقول إن مشاكل التعليم، خصوصاً الجانب السلوكي منها، هي أعمق بكثير من مجرد “حالات محدودة للإلحاد” وفقاً لما رصدته المربية الفاضلة! فهناك تراجع كبير في الانضباط والالتزام بقواعد السلوك التربوي الأساسية، بحيث أصبحت مسألة الاعتداء بالضرب على الأساتذة ظاهرة تحتاج بالفعل إلى وقفة لدرء خطأ حقيقي في السلوك والرؤية لمكانة المعلم وهيبة الحرم الدراسي، وهناك كمٌ هائل من الغش والتلاعب على القوانين وعلى أبسط شروط الالتزام بالمادة التعليمية وقوانين الاختبار، حتى لقد أصبحت قضية تزوير الشهادات، بما في ذلك العليا منها، قضية لا تزال المحاكم ومكاتب المحامين تتداولها في ظل مقاومة صلبة من الفاسدين في جهاز التعليم، الذين حولوا هذا المجال إلى تجارة تدر أموالاً هائلة على حساب القيم التربوية والتعليمية في البلد.
أمور كثيرة في السلوكيات الطلابية داخل إطار المجتمع المدرسي كان أولى بالمربية الفاضلة، وغيرها، التطرق لها كونها تعكس انحداراً مخيفاً في قيم التعليم، أخطر بكثير من مجرد ضبط حالة “إلحاد” واحدة داخل صفوف الطلبة.
المشكلة أن مربيتنا الفاضلة “مراقبة الخدمة النفسية” لم تتوقف عند كل هذه السلوكيات المدمرة للتعليم والتربية، فكان أن اختزلت القضية السلوكية في حالة إلحاد واحدة، وفي مجموعة من “المتشبهين” كما أسمتهم!
لقد تطور العالم في العقدين الماضيين بشكل رهيب، فكانت قفزة بشرية تعادل مئات السنين، شملت كل شيء بما في ذلك الوعي البشري، الذي تعرض لهزة عنيفة طالت الكثير من موروثات العقل البشري، ونحن لسنا بمنأى عن مثل هذا التحول الذي أفرز مجتمعات متباينة الرؤى وبشكل أصبح يثير الذعر لدى البعض! وفي ظل مثل هذا التحول يكون من السذاجة أن نتصور أن الأفراد في أي مجتمع يمكن أن يكونوا متطابقين أو حتى متقاربين في أفكارهم ورؤاهم.
قضايا كالإلحاد والمثلية موجودة في كل مجتمع، بما في ذلك مجتمعاتنا، والتعامل معها ليس بتجاهلها أو نفيها أو حتى معاقبتها، وإنما في الغوص نحو أسبابها، ما يجب أن يتغير هنا هو أدواتنا بدلاً من الاستمرار في ممارسة إنكار لا يفتح أي طريق!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى