الإسلام الليبرالي

الإسلام الليبرالي
لا يشك أحد في أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وما أعقبها من حرب وعمليات عسكرية في أفغانستان قد أحدثت هزة عنيفة في قواعد حركات الإسلام السياسي الأصولي، وقد ضاعف من عمق هذه الهزة ما ورد في تحقيقات أجهزة المخابرات الأمريكية والبريطانية لما يتعلق بضلوع بعض جمعيات وأحزاب الإسلام السياسي في أحداث سبتمبر الدامية! وبصرف النظر عن رأينا في ذلك، وعما إذا كانت المسألة مجرد تهمة لا مرجعية لها على أرض الواقع أم أنها حقيقة تدين بالفعل بعض مؤسسات الإسلام السياسي في العالم العربي، فإن المشهد الحالي اليوم يقول إن هنالك استنفاراً دولياً يدعو إلى محاسبة ومعاقبة كل الجهات المسؤولة عن أحداث سبتمبر، حيث يستهدف هذا الاستنفار بالدرجة الأولى جمعيات الإسلام السياسي وأحزابه، وقد شمل هذا الاستنفار دولاً عربية وإسلامية كثيرة وجدت نفسها في مواجهة حرجة وفائقة الصعوبة مع جبهات داخلية أفرزتها سنوات طويلة من السياسات الخاطئة والمرتجلة!
والسؤال اليوم هو حول هوية الجهة التي ستخلف تيار الإسلام الأصولي السياسي، فإذا كان هؤلاء ـ أي تيارات الإسلام السياسي ـ قد صعدت لتسد شاغر التيارات الليبرالية واليسارية التي تدحرجت من قمة الهرم العربي في أعقاب هزيمة العرب في حزيران 1967، فإن الجميع الآن يقف في ترقب وحذر ليراقب الصراع والتنافس الدائرين للفوز بمقعد الإسلام الأصولي الذي زعزعته أحداث سبتمبر الدامية!
يرى المحللون أن تيار الإسلام الليبرالي سيكون من أبرز المرشحين لسد هذا الشاغر، والسؤال القائم هنا هو: هل بالفعل يوجد تيار إسلامي ليبرالي؟ وكيف يختلف هذا عن التيار الأصولي؟
والإجابة هي: إن هنالك بالفعل تياراً سياسياً إسلامياً ليبرالياً آخذاً في التشكل والبروز، عبر عنه مؤخراً صعود نجم وشعبية رجال الدين حليقي اللحى من غير المعممين، فهؤلاء يرتدون الملابس الغربية، ويتحدثون في القضايا العصرية، لا يغلظون القول، بل يتمسكون بالفكر الحديث، ويعالجون قضايا الحضارة الحديثة من خلال رؤية إسلامية معتدلة وغير متطرفة.
لقد كانت أحداث سبتمبر أشبه ما تكون بالقشة التي حسمت الصراع بين الإسلام الليبرالي والإسلام الأصولي.
لكنها ـ أي أحداث سبتمبر ـ لم تكن وحدها المحرك باتجاه سيادة الإسلام الليبرالي، فانتشار التعليم والمتعلمين في المجتمعات العربية قد ساهم، وبصورة مباشرة، في كسر احتكار التيار الإسلامي الأصولي، كما أدى عنف وغلو التيار الأصولي إلى تخوف الناس منه، ومن تكرار تجارب الجزائر، والسودان وأفغانستان.
كما أدى انتشار مفاهيم كالديمقراطية وحقوق الإنسان، وحريات الفكر والحوار إلى صعود التيار الإسلامي الليبرالي الذي يرى أن ضعف العلاقة بين الدين والدولة بسبب تشدد وتطرف التيارات الأصولية قد أدى إلى عزلة المجتمعات الإسلامية وانغلاقها عن مجتمعات العصر الحديث بالإضافة إلى اغترابها عن إنجازات العصر الحديث العلمية والطبية بسبب فتاوى وغلو أهل الإسلام الأصولي.
وعلى ضوء تكهنات كهذه، سنجد أن الإسلام كدين متحول ومتطور وصالح لكل زمان وأمة ومكان، سيكون من أكثر المستفيدين من إرهاصات ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، لأن صعود التيار الإسلامي الليبرالي يعني عودة التسامح للدين الإسلامي، والخروج من حالة العزلة والانغلاق عن العالم الحديث من حولنا، تلك العزلة التي فرضتها جاهلية طالبان، وجهل جبهة الإنقاذ الجزائرية وتطرف حركات الإسلام السياسي الخليجية!
