الإسلام السياسي.. وعباءة القداسة!!

الإسلام السياسي.. وعباءة القداسة!!
لا شك أنها مبادرة شجاعة وناضجة، تلك التي تقدمت بها جمعيات واتحادات وطنية مخلصة صادقة في وطنيتها وإخلاصها، وذلك بإعلانها لبيانها الشجاع الذي يحذر ويكشف عن بعض من الحملات الشرسة التي تقودها جماعات الإسلام السياسي في سبيل كبت ومنع كل ما لا يتفق مع نهجها الحزبي وفكرها الضيق!!
ففي بيان وقعت عليه سبع عشرة جمعية واتحاداً ورابطة، حمَّل فيه هؤلاء الإسلام السياسي مسؤولية إلغاء الدور التنويري والحضاري الرائد لدولة الكويت ومراكزها الثقافية التي تمثل وجهها الناصع ورسالتها إلى شعوب وأمم الأرض، وذلك من خلال إثارتها المتعمدة والمغرضة لموضوع إجازة بعض الكتب في معرض الكتاب، وإصرارها على استجواب وزير الإعلام، على الرغم من التوضيح الذي أعلنه الوزير والاعتذار عن ذلك الخطأ غير المتعمد، وإعادة تشكيل اللجنة المشرفة على إجازة الكتب!!
قد يكون من حق الإسلام السياسي باسم الديمقراطية (العلمانية) أن يوجه اتهاماً، أو أن يطلب استجواباً، فذلك حق كفله الدستور والعمل الديمقراطي بوجه عام!! غير أن المواطن يملك من الوعي ما يجعله مدركاً جيداً للنوايا الخفية من وراء إصرار جماعة الإسلام السياسي على الاستجواب، وهي نوايا ليس من أولوياتها الدفاع عن الدين، ولا من أهدافها البحتة الحرص على الإسلام!! بقدر ما هو إصرار عنيد على وأد كل فكر ينطلق بخلاف ما يؤمن به الإسلام الحزبي السياسي، ومحاولة غبية تهدف إلى إلغاء أي دور أو مبادرة قد يتقدم بها آخرون من غير جماعات الإسلام السياسي!!
لقد بادر بعض أقطاب الإسلام السياسي بانتقاد بيان الجمعيات بكونه يحمل ألفاظاً بذيئة ويحوي شتماً وتجريحاً!! وهو بكل تأكيد ما لم يتبينه كل من قرأ البيان، بل على العكس من ذلك تماماً، وكالعادة فقد جاءت ردود فعل ومقالات أقطاب الإسلام السياسي ملأى بما يتعارض مع روح الإسلام ونهجه في الوعظ والتوعية بل وحتى في الحديث العادي!!
أحد هؤلاء الأقطاب البارزين يرى في موقف البعض من (أزمة) الكتب المفتعلة، دعوة مفتوحة إلى “الحرية المنفلتة من كل الضوابط، والحث على المساس بالدين والدعوة إلى الإنحطاط الأخلاقي”. كما جاء على لسانه!!
وذلك بلا شك يحوي تشكيكاً في عقيدة الرأي الآخر، واتهاماً بالكفر وبالخروج عن الدين!! وهو أمر لا يملكه ذلك القطب السياسي الديني البارز، ولا تملكه أي من جماعات الإسلام السياسي مهما بلغ حجمها ونشاطها!!
مشكلة السيد القطب البارز، هي لا شك مشكلة متجذرة في فكر الإسلام السياسي بوجه عام!! ففي تعليق له على موقف البعض من استجواب وزير الإعلام!! يقول قطب الإسلام السياسي هذا أن ما يدفعه وجماعته للإصرار على الاستجواب هو الحرص على المصالح الوطنية العليا!! وأنهم من خلال ذلك الإصرار إنما يؤدون دورهم في الدفاع عن الذات الإلهية، وحماية دين الدولة والمجتمع!! كما لو أن الجدل حول الاستجواب هو جدل بين دينين وعقيدتين مختلفتين تماماً!! بينما هو في واقع الأمر خلاف وجدل بين فكرين سياسيين متعارضين، وصراع بين نمطين مختلفين من التفكير!! فبينما يأتي الدين ملكاً للأطراف كلها، ونصاً ثابتاً تنَّزل على الجميع!! يكون الإسلام السياسي فكراً تأويلياً، سخر بعض النصوص القرآنية بالصورة التي تخدم أغراضاً دنيوية سياسية بحتة!!
المضحك المبكي في حديث القطب الإسلامي السياسي البارز، أنه يصر على أن الاستجواب يقوي من الدور الرقابي والتقويمي الشعبي للإدارة الحكومية!! وذلك على الرغم من أن جماعات الإسلام السياسي وبالتحديد، هي التي طالما قدمت تنازلات، ووفرت مخارج للمخالفين، وللخارجين عن قانون الدولة، ولمنتهكي المال العام!! وإلا كيف يفسر قطبنا المحترم هنا تجمهر جماعة الإسلام السياسي وتزاحمهم للمساهمة الكتابية في صحافة الخارجين عن القانون، والمدانين قانونياً وشعبياً، والمتورطين في قضايا الفساد وانتهاك مقدرات الشعب والوطن!!
كذلك يفرق قطب الإسلام السياسي البارز بين دعوته وجماعته لحرية فكر ورأي أمره بالمعروف وناهيه عن المنكر وهاديه إلى الخير، في مقابل حرية مطلقة تدعو إلى الكفر بالله وهدم الأخلاق والقيم، والشهوة المادية، والتي تتميز بها حرية كل من لا ينتمي إلى الإسلام السياسي!! على حد تعبيره وحسب قناعة جماعته وأعضاء حزبه!! ثم هم بعد ذلك يملكون الجرأة باتهام الآخرين بالحدة وبالتطرف في القول، وبالسباب والشتيمة والعنف!!
لا شك أن الإسلام السياسي، هو فكر بشري خالص، يملك كل الحق في أن يروج لفكره ولطرحه، لكنه قطعاً لا يملك الحق ذاته في أن يحتكر الدين والعقيدة، أو أن ينسبهما لما يؤمن به من فكر ونهج ورأي!!
وإذا كان من حق الفكر الإسلامي السياسي أن يتصدى (لمروجي الانحراف ومعارضي القيم والأخلاق) فإن من حق الآخرين أن يطالبوا بنزع عباءة (القداسة) عن فكر إنساني بشري دنيوي خالص!!
