
بقيت وستبقى الحرية والحقيقة مفاهيم غامضة بالنسبة للمجتمعات البشرية.. خاصة أننا ومن خلال التاريخ البشري الطويل خضعنا لآراء ورؤى كثيرة في مفاهيم “الحرية والحقيقة” لم تخل في أغلبها من نفوذ إنساني ذاتي المنبع. بعض المذاهب الفلسفية تتفق مع بعض الآراء العلمية الحديثة.. والتي لا ترى أن هنالك حقيقة مطلقة غير قابلة للتبدل والتغيير.. وأن القول بأن هناك شيئاً من هذا القبيل هو كالقول بأن لقطعة الطين أو الصلصال شكلاً ثابتاً.. فسؤال مثل ما هو شكل قطعة الصلصال هو سؤال بلا معنى.. حيث أن الشكل هنا مقيد ومحدد بعملية التشكيل مسبقاً والتي هي لا شك غير ثابتة ومقيدة بمن يقوم بالتشكيل أساساً.
بعض الفلاسفة ورجال العلم لجأوا إلى مسألة المنفعة.. بحيث أرجعوا تساؤلات كالتي سبق ذكرها.. إلى أمر يختص بالمنفعة.. وأصبح السؤال عن حقيقة أمر ما من عدم حقيقته مشفوعاً بسؤال عن فائدته من عدمها كأساس للتمييز!!
ذلك ما كان من أمر الحقيقة.. أما الشق الثاني من أكثر الأمور جدلية.. فهو ما يخص “الحرية”.
يتحدث “ميشيل متياس” في كتابه “هيغل والديمقراطية” عن الحرية.. حيث يقول.. “أن هيغل” يعتقد أن الحرية نشاط الإرادة.. وهي ماهيتها.. وبالتالي فإننا عندما نفكر في الإرادة لا نملك إلا أن نفكر في الحرية أيضاً.. والعلاقة بين هذين التصورين تشبه العلاقة بين الثقل والمادة.. فالثقل ليس صفة عرضية للمادة.. لأننا لا نستطيع أن نفكر في المادة بدون التفكير في الثقل.. ويمكن أن يقال أن المادة هي الثقل نفسه أو الوزن ذاته.. فالثقل يشكل الجسم وهو نفسه الجسم.. وتلك هي الحال نفسها مع الحرية والإرادة.. ما دام الكائن الحر هو الإرادة فالإرادة بدون الحرية هي كلمة جوفاء فارغة.. في حين أن الحرية لا تكون موجودة بالفعل إلا بوصفها إرادة.. بوصفها ذاتاً بالفعل”.
لا شك أن العلاقة بين كلا المفهومين.. هي علاقة وثيقة.. فبدون حرية.. لن يكون بإمكاننا الاقتراب من الحقيقة.. بصرف النظر عن ماهية تلك الحقيقة.. وبما أننا مجتمعات لا تجرؤ على مجابهة الحقائق.. فقد أحكمنا الحصار على الحريات!! ووضعنا دائماً حواجز مختلفة لتبرير ذلك التطويق لمجال الحريات. فتارة تصادر الحرية.. خوفاً وخشية من سوء الاستخدام.. ومرة يأتي حصارها كأفضل الحلول لحصر المشاكل، والمآزق بين أصحاب الشأن. وطوراً تصادر في سبيل حماية الوحدة الوطنية والبنية السياسية. أسباب كثيرة نعيشها نحن في هذا الوطن.. كما يعيشها غيرنا من المجتمعات التي لا ترى في الحرية سوى خروج عن المألوف وتهديد للمجتمع السياسي والاجتماعي والعقائدي. بينما من خلال هذه الحرية فقط استطاع العالم من حولنا أن يصل إلى ما وصل إليه من تقدم وتطور.. ما زلنا نعيش نحن على هامشه.
الحرية لا شك تنطبق عليها كلمات “ماكبث” في رواية شكسبير الخالدة.. “أن تكون أو لا تكون” فالقول بأن هنالك قدراً من الحرية يُعد تعبيراً عن فقدانها!! فالحرية كلٌ واحد لا تتجزأ.. ولو أن المجتمعات التي تأخذ بالحرية كمبدأ ثابت.. قد أمنت بتجزئتها.. لما صحت أن تنعت بالمجتمعات الحرة.. ولما وصلت إلى ما هي عليه من إنجازات حضارية.
لقد اتسم تفاعل بعض الأقلام مع ما ورد في خطاب سمو ولي العهد.. بكونه طرحاً فلسفياً يفتقد صراحة الرأي الحر.. وهو أمر عهدناه في مجتمعاتنا العربية السياسية والتي لا تزال ترى حرية الجدل.. خروجاً على الاحترام.. إضافة إلى قناعة السلطة في مجتمعاتنا.. بدور الحكومة الفعال والمؤثر.. والذي قد تعيقه حريات الأفراد خاصة وإنهم (أي الأفراد) ليسوا على درجة من الوعي السياسي تمكنهم من المداولة وإبداء الرأي.. فحجة أغلب الأنظمة العربية في تحديد مجال الحرية.. كانت دائماً متمسكة بأن الفرد العربي لا يملك تصوراً عميقاً ولا إحساساً جوهرياً بالحرية.. ومن ثم فإنه لا يفهمها إلا بكونها نشاطاً للإشباع الذاتي البحت!!
لقد أصبحت الحرية في مجتمعاتنا العربية عموماً.. مرادفاً للانحلال.. بحيث أصبحت صفة البوهيمية والتجرد من المسؤولية ملتصقة بالمطالبين بالمزيد منها.. ذلك على المستوى المجتمعي.. أما على المستوى السياسي.. فالحرية دائماً كانت عاملاً في إطلاق الفوضى.. وزعزعة الاستقرار وفتح المجال لطوابير خامسة وعاشرة كي تعبث بالأمن والأمان بينما نغفل في سياق ذلك أن الحرية مسؤولية وعبء.. وأن ما ينسبه البعض للحرية من إثارة للفوضى وللنزاعات ليس إلا أمراً خارجاً عن نطاق الحقيقة لأن مثل تلك الفوضى ما كانت لتثار لولا أنها موجودة أصلاً.. ومتراكمة تحت أثقال من الممنوعات والمحرمات.. واللاءات.. وإن حلها وإصلاحها لا يكون بإلغاء وإنكار الحرية كونها سبباً في ذلك.. وإنما في إخراجها على السطح بفعل مناخ الحرية.. حتى يصبح بالإمكان معالجتها.. ومواجهتها.
لقد انطلقت المجتمعات من حولنا وجاوزتنا في حقول الإبداع والمعرفة والعلوم.. لأن الحرية.. حرية الرأي.. حرية الصحافة.. حرية التفكير.. بل وحتى حرية الملبس والمأكل.. كانت هي الأساس والقاعدة.. بينما هي ما زالت في مجتمعاتنا.. أمراً شاذاً ومريباً.. فمجتمع كالمجتمع الأمريكي مثلاً.. لم يكن ليصل إلى ما وصل إليه.. لو أن أبواباً أغلقت لكونها محرمة أو خطرة.. فقد كان أساس المجتمع هناك قائماً على ما جلبه المهاجرون إليه من مبادئ الحرية التي استقوها من الثورة الفرنسية وحملوها معهم إلى العالم الجديد.. لنجدهم وفي زمن وجيز قياساً بالتاريخ البشري يحكمون ويسيطرون على كل المجتمعات القديمة!!
