الإبداع.. ذلك المفقود

على الرغم من كل ما قيل وكتب ونشر بشأن الجدل القائم حول تعديل المادة الثانية من الدستور.. إلا أنها بقيت آراء طغت عليها في أغلب الأحيان روح العداءات الشخصية.. وتبادل الشتائم أكثر من تبادل الحجج، وبحيث افتقدت أغلب الآراء موضوعية الطرح بشأن قضية التعديل في هذه المادة.
لذا فقد جاءت المقالة الوحيدة التي اتسمت بالطرح العلمي العقلاني.. لتضع الجميع على عتبة الطريق الصحيح في أسلوب الحديث والكتابة حين يقتضي الأمر معالجة قضية جدلية وشائكة تتباين فيها الآراء مثل قضية تعديل المادة الثانية.
مقالة الدكتور خلدون النقيب.. والتي نشرتها “القبس” بتاريخ 16/12/93.. ويطرح من خلالها رأيه في مسألة التعديل.. تذكر القارئ كما الكاتب بأسلوب الحوار المثالي.. والذي يبدو أننا قد ابتعدنا كثيراً عنه في طرحنا لآرائنا ورؤانا.. وبصرف النظر عن مسألة قبولنا أو عدمه لما جاء فيها، فإن المقالة وأسلوب الدكتور “النقيب” في إبداء رأيه، وطريقة تفاعله مع القضية وإثارتها، تطرح ولا شك تساؤلاً حول مصير الإبداع.. والشخصية المبدعة في هذا الوطن..
وذلك بالطبع مما حوته المقالة، وغيرها من مقالات للكاتب نفسه من أسلوب مختلف لا يخلو من عمق وإبداع في الطرح، لقضايا تنهمك أقلام كثيرة في تكرارها.. والبقاء على هامشها دون جديد يذكر.
والحديث عن الإبداع، حديث يطول ويتشعب، لكن الحاجة للابداع هي ولا شك من الأمور البديهية والمسلم بها. فالإبداع طاقة إنسانية هائلة، استطاع الإنسان من خلال تنميتها واستخدامها أن يتحول من مخلوق يتوسد الكهوف، ويقتات على ما تسخره له الطبيعة، إلى مبرمج كمبيوتر ومسيطر على الفضاء من حوله.
لقد استطاعت المجتمعات المتقدمة والمتحضرة أن تهيىء أجواء مناسبة لنمو القدرة الإبداعية، فعمدت إلى تشجيع الأصالة.. والطلاقة في الأفكار.. والتشجيع على أعمال الذهن والتفكير.
في كتابه “آفاق جديدة في دراسة الإبداع”.. يركز الدكتور عبد الستار إبراهيم على أهمية المناخ الاجتماعي للإبداع، وهو يذكر نقلاً عن “هارولد اندرسون” أن الإبداع قوة تسود لدى كل الأطفال تقريباً، أما بين الراشدين فهي تقريباً تنعدم، والسؤال الذي يفرض نفسه بشدة هو: ما الذي يعتري نمو هذه القوة والطاقة الإنسانية الهائلة فيوقفها في منتصف الطريق؟؟ هذا هو السؤال وتلك هي معضلة العصر!
ويؤكد الدكتور عبدالستار على أهمية البيئة في استثمار الإبداع وتعزيزه في المراحل المبكرة. وهو يرى أن المبدعين قد نشؤوا في بيئات منحتهم أساساً وتحفيزاً عقلياً ملائماً للنمو الذاتي التالي.. وهو ما تبين فيما بعد أنه الأساس في تفاني اولئك وإخلاصهم في أعمالهم العلمية. فالمبدع لا بد وأن يكون نتيجة لبيئة تشجع على التفكير والمعرفة، فيذكر عن “براتراند راسل” أن والده كان يميل للفلسفة والدرس.. وكان متحرر الفكر. كما كان يملك مكتبة غنية.. وكذلك كانت أمه تفيض بالحيوية والقدرة على الابتكار.. أما جده وجدته، اللذان عاش معها الحقبة الأولى من طفولته، فقد كانا يمتازان بخصائص مشابهة في اتساع الثقافة والاتجاهات المتحررة.
كتاب شيق وإبداعي في آن واحد.. يصلح ليكون أساساً تبني عليه وزارة التربية في هذا الوطن برامجها المستقبلية.. فأثر التعليم في تنمية القدرات الإبداعية أو في كبتها والقضاء عليها، أثر كبير ولا شك يرافق الفرد فيما بعد طيلة حياته.. فجميعنا ولا شك نمتلك نماذج لمدرسين إبان مرحلة التعليم، وساهموا في تشكيل قيم إيجابية أو سلبية رافقتنا بعد ذلك، وأدت دورها في تطورنا الشخصي.. وقدراتنا الإبداعية، وذلك بالتأكيد ما يفتقده الطالب في هذه المرحلة، خاصة بعد أن تراجع دور المعلم بشكل نافر.. وأضاف إلى عيوب التعليم التلقيني مفهوماً جديداً، وهو تلقين الآراء الشخصية وفرضها فرضاً.. أدى بالكثير من أولياء الأمور إلى الشكوى والتذمر.
لعلَّ من أكثر معوقات تنمية الإبداع، هو فقدان مناخ الحرية اللازم لإطلاق ملكة التفكير والإبداع.. والانطلاق من محيط التفكير الرتيب والآراء المتكررة، وهو عائق يلقي بظلاله ولا شك على جميع مجتمعاتنا العربية، أما بسبب أنظمة التعليم المتخلفة أو بسبب مفاهيم اجتماعية ودينية تنهي وتحرم تلقائية التفكير والانطلاق.
نحن ولا شك بحاجة إلى إثارة حقيقية للطاقات الإبداعية وتشجيعها، وذلك هو طريقنا الوحيد لمجابهة التحديات الحضارية والتغيرات العلمية والاجتماعية من حولنا. فاعتمادنا الآن على ما يوفره الغير، ويقدمه من علم وتكنولوجيا نُسَخِر من خلالها الطبيعة من حولنا، سيكون اعتماداً دائماً.. إلا إذا ما أفقنا وعملنا على توظيف تلك التكنولوجيا المستوردة لخلق وبناء انسان المستقبل.. وتلك مهمة ولا شك تتطلب جهداً وعزماً حقيقيين وهو تصميم قد يطال تقاليد تفرض علينا رؤى ضيقة للعالم.. أو مفاهيم أصبحت تتناقض مع معطيات علمية حديثة خضعت للتجربة.. وتجاوزتها إلى مجال التطبيق الفعلي.. الأمر إذاً يحتاج إلى شجاعة وعزم وثقة.. وطرح خيارات وإجراء توازنات دقيقة.. تماماً كالحكمة القديمة التي أنهى بها الدكتور عبدالستار إبراهيم كتابه في الإبداع: “امنحني الشجاعة لأغير الأشياء التي يمكن أو يجب أن تتغير.. وامنحني القوة كي أكون قادراً على احتمال ما لا يتغير.. وامنحني الحكمة لأكون قادراً على أن أوازن بين ما يقبل التغيير.. وما لا يقبل”.
