
تشهد العاصمة السويسرية “جنيف”انعقاد الاجتماع الدوري لوزراء نفط منظمة الدول المصدرة للبترول “أوبك” بهدف بحث مستويات الإنتاج والحصص الإنتاجية المقررة في إطارها، لكل دولة على حدة.. ويأتي انعقاد هذا الاجتماع في أوقات حرجة للغاية، تواجه فيها أسعار النفط ضغوطاً انحدرت بها إلى مستويات متدنية، خلال العام المنصرم، وتهدد اتخاذ تدابير جادة في اتجاه إقرار تخفيض ملموس في إجمالي الإنتاج النفطي للربع الثاني من هذا العام..
وتشير الأنباء إلى أن وزراء النفط المجتمعين في “جنيف” سيتدارسون بينهم تقريراً أعده الخبراء والاقتصاديون، داخل منظمة الأوبك يحذر، بشكل واضح، من أن استمرار إنتاج “الأوبك” على مستواه الحالي، البالغ قدره 24.5 مليون برميل يومياً، ربما قد يؤدي بسعر برميل النفط إلى الانحدار، بصورة مريعة، إلى حدود العشرة دولارات وما دونها.
في أواخر سبتمبر من العام الماضي، حينما استطاعت منظمة الأوبك أن تلملم صفوفها، وأن تتفق على سقف إنتاجي نموذجي، على أساس أن يجري العمل بمقتضاه لفترة ستة أشهر عوضاً عن ثلاثة كان الظن بأن تلك الخطوة، التي استعادت بها المنظمة بعضاً من مصداقيتها، خاصة مع اقترانها بعودة الكويت إلى حظيرة الاتفاق، بعد ثلاثة أشهر قضتها بعيداً عنه احتجاجاً على عدم مواءمة الحصة المقررة لها، كان الظن بها، بأنها سيكون لها أثرها الحاسم في تركيز أسعار النفط، بعد طول تذبذب، وفي دفعها إلى الأعلى مع دخول نصف الكرة الشمالي في فترة الشتاء التي تتميز عادة بارتفاع موسمي في الطلب.. غير أن الرياح أتت بما لم تشته السفن، وكانت المفاجأة المؤلمة أن الأسعار بعد أن بدأت تشهد انتعاشاً ملحوظاً في الفترة التي أعقبت ذلك الاتفاق مباشرة، عادت لتسجل تدهوراً مخيباً للآمال، وذلك بالرغم من عدم وجود تجاوزات تذكر في الحصص الإنتاجية من قبل الدول الأعضاء، التي أبدت بشكل عام، قدراً ملحوظاً من الانضباط والالتزام.. وسرعان ما اتضح أن بعض عوامل السوق الأخرى كانت هي السبب الرئيسي وراء تلك النكسة التي أصابت أسعار النفط، ومن أهمها أن الإرتفاع في الطلب العالمي على النفط جاء مخيباً للتقديرات والتوقعات التي على أساسها قامت الأوبك بتحديد سقفها الإنتاجي، هذا بالإضافة إلى لجوء عدد من الدول غير الأعضاء في الأوبك، وعلى رأسها كل من بريطانيا، روسيا والنرويج إلى زيادة إنتاجها النفطي بصورة أدت إلى المزيد من التوسيع في الفجوة مابين العرض والطلب.. ووسط تلك الظروف والملابسات المزعجة جاء انعقاد الاجتماع الوزاري للأوبك في “فيينا” في بداية الأسبوع الأخير من نوفمبر من العام الماضي، حيث ساد توقع كبير بأن المنظمة ستجد ألا مفر أمامها من الإقدام على إجراء تخفيض ملموس في سقفها الإنتاجي، وبالتالي في الحصص الفردية المقررة من أجل إنقاذ الأسعار والحيلولة دون انهيارها.. غير أن ذلك الاجتماع فاجأ الأوساط الدولية المتابعة له، بخروجه بقرار يقضي باستمرار العمل بالسقف الإنتاجي المقرر منذ الاجتماع الدوري السابق دون تخفيض.. وقد استند ذلك القرار على عدة معطيات منها عدم فقدان الأمل في أن يشهد ترمومتر الطلب العالمي على النفط صعوداً درامياً مع الحلول الفعلي لفصل الشتاء في أهم الدول الصناعية الكبرى المستهلكة للنفط وتسارع الشركات النفطية الكبرى لتعزيز مخزونها منه.. بيد أن الرسالة الواضحة التي جاءت محمولة على طيات ذلك القرار، كانت تشير إلى عدم رغبة دول الأوبك في التضحية بحصتها من السوق مهما كان الثمن مغرياً.. وكان ذلك الموقف يعكس إدراكاً بأنه في حالة عدم التمكن من إقناع الدول المنتجة للنفط غير الأعضاء في المنظمة، بالتعاون في سبيل رفع الأسعار إلى أعلى، فإنه ليس هنالك ما يضمن عدم لجوئها إلى استغلال الوضع لتوسيع رقعتها من السوق، عبر المزيد من الإنتاج النفطي، وبذلك تكون الدول الأعضاء قد خسرت حصة من السوق دون أن تجني من وراء ذلك شيئاً.. ومن جانب آخر، فإنه ليس من المستبعد، أن المنظمة أرادت أيضاً من قرارها ذاك بتمديد ذات السقف الإنتاجي لفترة أخرى، أن تتفادى نشوب الخلافات والانقسامات التي تصاحب عادة مسألة تحديد الحصص الإنتاجية المقررة لكل دولة، وأن تحافظ بالتالي، على وحدتها، أي المنظمة، وتماسكها..
والآن، وفي ضوء الفشل البادي لكل المساعي التي جرى بذلها من أجل إيجاد أرضية مشتركة للتنسيق والتعاون بين الأوبك والدول الأخرى غير الأعضاء المنتجة للنفط وفي ضوء استمرار عوامل السوق المتعلقة بحجم الطلب العالمي على جمودها النسبي، وبالتالي فشل الأسعار في التصاعد، فإنه يمكن القول بأن الأوبك تواجه حالياً ذات الموقف الذي واجهته في اجتماعها الدوري الأخير في نوفمبر الماضي، ولكن، هذه المرة، بدون الأمل في حدوث انتعاش مفاجئ في ساحة العرض، بعد أن بدأت إطلالات الربيع تهل على النصف الشمالي من الكرة الأرضية.. فما هي فاعلة يا ترى!..
حتى الآن لم تبدر أية مؤشرات تدل على الوجهة التي سيتجه إليها وزراء الأوبك في تعاملهم مع مسألة دعم الأسعار، غير أن الثابت أن أدنى ما يمكنهم الخروج به من اتفاق هو إقرار استمرار العمل بالسقف الإنتاجي نفسه للربع الثاني من العام، وبالحصص الإنتاجية نفسها المقررة لكل دولة.. ولعل أكثر ما قد يغري وزراء المنظمة باللجوء إلى هذا الحل، خلافاً للرغبة في تفادي الجدل والصراع المرير حول الأنصبة الإنتاجية، هو ذلك الاستقرار النسبي الذي شهدته أسعار النفط مؤخراً، والذي قد يجعلهم يميلون إلى النظر إلى التقديرات والتنبؤات، التي تحذر من حدوث هبوط حاد في الأسعار، باعتبارها متشائمة أكثر من اللازم، هذا بالإضافة، بالطبع، إلى العامل الآخر المتعلق بعدم رغبتهم في التفريط في حجم حصتهم من السوق لصالح المنتجين الآخرين.. غير أنه بين كل هذا وذاك، فإن الكثير مما يمكن أن يتمخض عن اجتماع الأوبك الحالي، يبقى رهيناً بالسياسة التي ستقرر المملكة العربية السعودية اتباعها.. فالمملكة باعتبارها أكبر المنتجين (ثلث إنتاج الأوبك)، هي التي سيتعين عليها تحمل العبء الأكبر في أي خفض إنتاجي يراد من ورائه تحقيق هدف تركيز الأسعار ودعمها.
