شئون خليجية

الأمن الحقيقي.. والأمن المستورد

جريدة القبس 1992/11/25

في الرابع عشر من نوفمبر الحالي.. بدأ وزراء الدفاع بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربي اجتماعهم.. الذي يبحثون فيه أطر السياسة العامة لدول المجلس لشراء الأسلحة والمعدات العسكرية.. وإعادة بناء قوة “درع الجزيرة”.. وزيادة فعاليته ورفع مستواه.. وإعطاء مفهوم جديد لمسؤولياته ومغزاه.. وقد أكد الاجتماع على أهمية تفهم التغيرات والمستجدات الحالية.. وعلى ضرورة أن يكون لدول الخليج رأي في هذه التغيرات بما يحفظ مصالحها وأمنها.. وخاصة.. وكما جاء على لسان الأمين العام ل مجلس التعاون الخليجي أن “الاطمئنان وليد القوة” وأن “مفاتيح الأمن يجب أن تكون في يدنا.. وليس ضمن نوايا الغير”.
يأتي تأكيد وزراء الدفاع الخليجيين على أهمية الأمن في هذه المنطقة الحساسة والمتوترة في العالم ونحن نعيش ظروفاً مشابهة جداً للظروف التي عايشناها في الفترة ما بين انتهاء الحرب العراقية الإيرانية في أغسطس 1988.. وانفجار كارثة الغزو في أغسطس 90. فمجتمعنا يذكر جيداً مدى التأليه والوطنية التي أضفاها البعض وألبسها لطاغية النظام العراقي صدام حسين.. وصفات البطولة التي أسبغها الكثيرون على (صلاح الدين) الجديد في مواجهته لقوى “الإمبريالية الغربية” حين أعلن عزمه على حرق نصف إسرائيل.. محذراً الغرب من أسلحته المدمرة التي ستصل إلى عمق الدولة اليهودية.. كان ذلك فور انتهاء الحرب العراقية الإيرانية.. يومها أشعل الإعلام الغربي حرباً شعواء على “فارس العرب الأسود” وكما وصفته إحدى المجلات العالمية يومها.. وانطلقت الأصوات محذرة من تنامي قوة النظام العراقي العسكرية.. في الوقت الذي كان سوق السلاح العالمي مفتوحاً على مصراعيه لتمويل احتياجات العراق العسكرية في مرحلة ما بعد الحرب العراقية الإيرانية. الآن تعود نبرة التحذير ذاتها ومن الإعلام الغربي ذاته محذرة من تنامي القدرة العسكرية الإيرانية.. ومن محاولتها الوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي في مجال التسليح واستقطاب العلماء السوفيت في المجال النووي.. وفي الوقت نفسه أيضاً.. يتدفق السلاح من كل حدب وصوب على الجمهورية الإسلامية وترمي كل دولة باللائمة على غيرها في عملية التسليح هذه.. ومن يدري من يكون العملاء الرئيسيون في صفقات الأسلحة تلك.. خاصة وبعد أن ثبت مدى التورط المباشر لكل من تاتشر.. وجون ميجور.. والإدارة الأمريكية في تسليح العراق سابقاً.
في ظل ظروف كهذه.. هل يكفي تعزيز قدرات دول الخليج العسكرية للحفاظ على أمنها؟!.. وهل ينجح “درع الجزيرة” في المساهمة بالذود عنها ضد أي مخاطر مستقبلية من دول الجوار أو غيرها؟! خاصة بعد أن أثبتت أحداث غزو الوطن مدى هشاشة الاستعدادات العسكرية الخليجية، على الرغم من أن الأخطار التي أثارها الغزو العراقي.. كانت دوماً قائمة.. ولم تكن أبداً وليدة الغزو.. وأن أهمية المنطقة الاستراتيجية هي واقع لم يضف له غزو النظام العراقي للوطن معنى جديداً.. ولا بعداً آخر.
وإذا كان غزو النظام العراقي للوطن قد ساهم في تأكيد حقائق لم تكن موجودة.. فهي حقائق تؤكد أن تنمية القدرة العسكرية لدول الخليج ليست هي الحل الوحيد والأمثل للحفاظ على أمنه.. والدليل على ذلك الاتفاقيات الأمنية التي عقدتها دول الخليج خاصة مع الولايات المتحدة.. وتلك الاتفاقيات التي وإن كانت تركز أحياناً على مجالات التدريب المشترك ونقل الخبرة وإعادة التسليح.. إلا أن إبرامها يحمل تفسيراً واحداً وهو أن قدرة دول الخليج في التصدي لأي تهديد مستقبلي ستبقى دائماً رهن رغبة ومصلحة الولايات المتحدة في الوقوف أمام هذا التهديد.. وليس في قدرة دول الخليج العسكرية.
قد يضطلع البعض بالقول أن ليس هناك ما يعيب الإدارة الأمريكية رغبتها الحفاظ على مصالحها في المنطقة.. وأن من رحمة القدر أن أصبح تحرير الوطن متفقاً مع تلبية وتحقيق المصالح الأمريكية.. وأن تشابك المصالح أمر لا يعيب إطلاقاً.. فعلى أساس ذلك التشابك تقوم العلاقات الدولية كلها.. ولكن ماذا لو دارت دفة المصالح تلك.. وجاء وقت رأت فيه الإدارة الأمريكية ذاتها أن هجوماً عراقياً كان أم إيرانياً على دول الخليج فيه تلبية وخدمة لمصالحها.. هل سيتصدى درع الجزيرة للدفاع عن دول الخليج؟ وهل ستستطيع إمكانياتنا العسكرية مهما عززناها أن تصد أي محاولة انتهاك أو عدوان قد تقع؟!
تساؤلات قد تبدو تشاؤمية.. وسابقة لأوانها.. ولكنها تبقى احتمالات واردة.. وحين تسقط تلك الاحتمالات من خطة أمننا وأماننا.. فإنها تبقى حائلاً بين الأمن الحقيقي والأمن المستورد.
لقد تجاهلت دول الخليج الأسباب الحقيقية لمصادر التهديد.. والعوامل المؤدية إلى خلق الاضطرابات والقلاقل في هذه المنطقة.. فأمن الخليج ليس بأعداد الجيوش وشراء الطائرات فقط.. وإنما هو أولاً في إقامة بيئة سياسية ديمقراطية تضمن استقراراً وأمناً حقيقيين في المنطقة.. فلعلَّ أبلغ الدروس التي أكدها غزو النظام العراقي.. هي أن الاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يكون واقعاً طالما استمرت النظم الاستبدادية قائمة.. والتي لا تستهتر بحرية الفرد وكرامته فحسب.. وإنما أيضاً بثروات الشعب ومقدراته والتي غالباً ما تستنفدها تلك الأنظمة المستبدة في سبيل الحفاظ على وجودها.. وبمراجعة بسيطة للخسائر التي تكبدتها المنطقة بسبب استمرار نظام مستبد كنظام بغداد.. ولظروف اللااستقرار والاضطراب التي تخلقها مثل هذه الأنظمة.. نستطيع الخروج بحصيلة تؤكد مدى خطورتها على أمن المنطقة ومستقبلها.
قد لا يكون الشرط الوحيد والأمثل لتحقيق الاستقرار والأمن هو في إعداد الجيوش والاستعدادات العسكرية.. إلا أنه قطعاً أمر رهن بخلق مجتمعات سياسية صحية قادرة على التكيف والتلاؤم مع روح ومعطيات عصر الديمقراطية والحرية.

القبس 1992/11/25

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى