
في مثل هذه الأيام.. أو قبلها بعدة أسابيع من العام الماضي.. وتحديداً في أبريل عام 92.. أعلنت بعض القوى السياسية في هذا الوطن عن عزمها على إقامة تجمع جماهيري.. تناقش فيه قضايا الوطن الملحة. ومن دون الدخول في تفاصيل تلك الفترة.. فإننا جميعاً نتذكر جيداً تلك الضجة التي خلفها صدور أوامر رسمية بمنع إقامة تلك التجمع.. وحظره.
تذكرت ذلك.. وأنا أتابع الصخب الإعلامي الرسمي الذي صاحب إقامة المؤتمر التربوي النسائي الأول. والذي عقد تحت رعاية رسمية ممثلة بوزير شؤون الديوان الأميري.
لا نريد أن نخوض في الجدل الذي سيعمد البعض إلى إثارته مسبقاً.. من كون تجمع القوى السياسية المحظور. هو سياسي الطابع.. بينما المؤتمر النسائي التربوي.. يعالج قضايا اجتماعية تربوية.. ذلك لأن أي معالجة.. أو مناقشة رأي قضية من قضايا الوطن.. هي مسألة سياسية بالدرجة الأولى أساساً.
لعلّ أبرز ما أثاره عقد مثل هذا المؤتمر.. هو قضية الديمقراطية في هذا الوطن.. بوجه عام.. فبخلاف الحرية التي أعطيت للقائمين على هذا المؤتمر.. والتسهيلات التي قدمت له.. والتي سبق وإن منعت عن القوى السياسية في العام الماضي. فإن القضايا والتوصيات التي أثارها المؤتمر النسائي التربوي.. جاءت في تناقض صارخ لأبسط شروط الديمقراطية.. فتوصيات المؤتمر في ختام فعالياته.. نصت صراحة على وجوب تقنين الحرية الفردية.. سواء من حيث إمكان رقابتها على وسائل الإعلام. أو في تحديد هيئة الزي المدرسي أو في أسلوب وكيفية نشر الوعي الديني على يد المؤتمر ولا نعلم حقاً كيف ستعمل الهيئات النسائية المنبثة عن المؤتمر.. والتي ستكون مهمتها متابعة تنفيذ التوصيات الصادرة عن المؤتمر وحيث أعلن المؤتمر أن مهامُها ستكون على مستوى الجمعيات واللجان النسائية.. وأيضاً ستشمل غيرها من المؤسسات الحكومية مما يعني بالتأكيد اتساع نطاق صلاحيات هذه اللجان.. لتشمل المجتمع بأكمله.. والسؤال الذي قد يتبار إلى الأذهان هنا هو من سيؤمّن لهذه اللجان توسعة نطاق عملها الإصلاحي بهذه الصورة؟!! وهل ستساهم الدولة بصفتها الرسمية في مساعدة تلك اللجان على تنفيذ توصياتها الصادرة عن المؤتمر؟!! خاصة وأن الدعوة إلى المؤتمر.. جاءت تحت رعاية الدولة.. ممثلة بوزير شؤون الديوان الأميري!!
لعلّ أكثر ما استرعى الانتباه في هذا الحشد النسوي الكبير.. هو تلك الفجائية التي جاءت في الإعلان عن عقد المؤتمر.. خاصة لغير المساهمات مباشرة في فعالياته هذا بالإضافة إلى التساؤلات العديدة.. حول هوية عضوات اللجنة النسائية لتطبيق الشريعة الإسلامية.. خاصة وأن المحاضرات في فعاليات المؤتمر.. جئن من جمعيات مختلفة.. يغلب الطابع الديني على أغلبها.. على الرغم من محاولات الحياد والموضوعية التي جاءت في كلمات بعضهن.
المشاركة العربية جاءت هي الأخرى مفاجأة.. فعلى الرغم من الصفة الشخصية للمساهمات العربيات.. إلا أن التشنّج الذي ألقى بظلاله على أحاديث بعضهن.. خاصة في انتقاد الغرب ونفوذه المتزايد لإسقاط المجتمع والأمة الإسلامية.. يطرح تساؤلات عن انتماءاتهن الحزبية.. خاصة ونحن نعلم جيداً طبيعة تنظيم الجماعات الإسلامية في العديد من الدول العربية.. والتي تشهد الكثير من الصراع الذي لا يخلو من العنف!!
لعلّه من السذاجة بمكان.. في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الأمة العربية. أن تتحدث المؤتمرات عن مخاطر الانقياد إلى الغرب والتأسي به كقوة قاهرة ونحن سواء في هذا الوطن. أو في غيره من الدول المساهمة في المؤتمر.. نبارك الخطوات الغربية في حل كل مشاكلنا وأزماتنا.. بدءاً بقضايا الأمن.. ومروراً بالتسلّح والمناورات، وانتهاء بالمشاركة والتعاون الاقتصادي.
اختتام المؤتمر جاء في كلمات لرئيسة الجلسة الختامية حيث أكدت فيها على أهمية تغيير عقلية الأفراد لتهيئة الأجواء.. مؤكدة أن تغيير العقلية ليس بالأمر الهين.. لأن ذلك يحتاج إلى تغيير قناعات.. وهو أمر لن يكون إلا إذا أحسن الفرد العرض. مؤكدة أن ذلك هو ما نجح فيه رسول الأمة c حين أحسن العرض فاستجابت له البشرية جمعاء.
ولعلّ في كلمات رئيسة الجلسة الختامية.. ما يؤكد على أن الاقتناع لا يكون إلا بتوفّر الخيارات.. وهو أمر أنكرته توصيات المؤتمر في ختام فعالياته.. الداعية إلى رفض تصوراتها لخطوات إصلاح المجتمع والتي هي “فرض لقناعات” لا محاولة لتغيير قناعات. فإحكام الرقابة الإعلامية. وإعادة النظر في المناهج وبما يتفق وتصورات المؤتمر. ووضع الضوابط على الحفلات المدرسية.. واحتفالات الأعياد الوطنية واستبدالها بأنشطة دينية ومسابقات لحفظ القرآن كل ذلك، لن يجعل من مهام المؤتمر الإصلاحية.. أمراً صعباً.. ما دام المجتمع بأكمله سيعيش في إطار إعلام… وكما جاء في توصيات المؤتمر. طالما أن أفراد المجتمع سيخضعون لذات الإعلام، ويتلقون العلوم نفسها.. ويرتدون زيّهم الموحد.
