الأكراد… قاسم الخلاف المشترك

الأكراد… قاسم الخلاف المشترك
جدد وزراء خارجية سوريا وإيران وتركيا في بداية شهر فبراير.. التزامهم بوحدة العراق وسلامة أراضيه.. وذلك خلال اجتماعهم في إسطنبول.. واعتبروا أن تقسيم العراق.. يعد أمراً مهدداً لأمن المنطقة وسلامة العالم. وعلى الرغم من منطقية وحقيقة ذلك. وبالرغم من أن تلك الدول قد سبق وأكدت حرصها والتزامها بوحدة الأراضي العراقية. إلا أن حقيقة ما يوحد قرار تلك الدول. ليس أمراً ذا علاقة بوحدة العراق وإنما أساساً بتطورات الوضع الكردي في شمالي العراق.. وما آلت إليه الأوضاع في الشمال الكردي خاصة في أعقاب حرب تحرير الوطن.. والتي ولا شك لها انعكاساتها المباشرة في كيان كل من الدول الثلاث.
مخاطر تقسيم العراق لا تُشكل تهديداً لتلك الدول الثلاث وحسب. إنما لها انعكاساتها المباشرة والخطرة الحالية والمستقبلية كذلك.
على الرغم من أن الموقف العربي لم يكن بحجم تلك المخاطر المستقبلية.
لم توفر ظروف تاريخية سابقة ما وفرته حرب تحرير الوطن من فرصة للأكراد في شمالي العراق.. وللشيعة في جنوبه وإن كانت انتفاضة الأكراد قد حظيت بظروف أوفر مما حظي به الشيعة في الجنوب. فعلى الرغم من أن المعاناة كانت مشتركة بين الشيعة والأكراد.. وقمع الانتفاضة من قبل نظام بغداد لم يستثن أياً من الطرفين. إلا أن الأكراد قد شملهم نصيب وافر من الحماية تحت غطاء التحالف الدولي.. حيث تسارعت إمدادات الإغاثة والمعونة.. وسُجلت أكبر عملية إغاثة في التاريخ. والتي سُميت “توفير الراحة” أو “Providing Comfort” آخر إحصائيات الأكراد والتي أعلنت في أكتوبر عام 93 تقول إن أكراد تركيا قد بلغ عددهم بين عشرة واثني عشر مليوناً.. بينما بلغوا في العراق أربعة ملايين وفي سوريا مليوناً. أما في إيران فهم ثلاثة ملايين.
لذا فإنه من الطبيعي أن يأتي بيان وزراء خارجية سوريا وإيران وتركيا. معبراً عن استنكاره لتصريحات ونشاطات بعض المجموعات في بعض الدول الغربية التي تهدف إلى تشجيع الانفصال لأكراد العراق. خاصة بعد أن أثبت الأكراد قدرتهم على تنظيم صفوفهم.. والتغلب على خلافاتهم وتتويجها بانتخابات حرة ديمقراطية في العام 91.. وهي تجربة عجزت الدول الثلاث مجتمعة عن تحقيقها!!
التعبير عن مخاطر تقسيم العراق أمر صحيح ومنطقي ولا يعبر عن أية مبالغة.. أو إثارة وكما يرى البعض ذلك من خلال تصريحات زعامات الدول المجاورة للعراق، إلا أن ما أثار دول الجوار الثلاث سوريا وتركيا وإيران.. أمر ليس خاصاً بمخاطر التقسيم وحسب.. فتأكيد الوزير التركي “حكمت تشيتين” خلال مؤتمر صحفي مشترك أثناء لقاء وزراء خارجية الدول الثلاث.. تأكيده على ضرورة عدم دعم أي حركة كردية انفصالية في شمالي العراق..
لم يأت توقيته صدفة. خاصة بعد نجاح أكراد العراق في مواجهة حزب العمال الكردستاني، وإنهاء قواعده الواقعة بين تركيا والعراق في زمن قصير لا يتجاوز الأسابيع المعدودة في وقت كان حزب العمال هذا، مستمراً في عملياته العسكرية والقتالية والتي اندلعت منذ العام 1984، تكبد خلالها الجيش التركي الكثير من المواجهة بين الطرفين.
كذلك لم تكن مصادفة ولا مفاجأة أن يبدي الوزير الإيراني علي أكبر ولايتي حرصه على تأكيد “أننا لن نسمح لأي دولة بالتدخل في شؤون العراق الحساسة. فالمنقذ والمنفّذ لعمليات إغاثة الأكراد هو “الشيطان الأكبر” الذي رفعت الجمهورية الإسلامية راية الجهاد في وجهه.. والحماية التي أصبح الأكراد في شمالي العراق والشيعة في جنوبه يتمتعون بها قد خلقت ولاشك سابقة في تاريخ المنطقة.. وما يعني ذلك من احتمال تكرارها.. أي أن مستضعفي المنطقة صار بإمكانهم النجاة والأمن دون أن يدفعوا ثمن ذلك قرابين وإتاوات للدول المتصارعة في المنطقة.
بالنسبة لسوريا. الموقف والدافع واضحان.. فبالإضافة إلى العداء السوري العراقي والذي ميز الفترة الأخيرة من علاقات البلدين.. إلا أن أموراً أخرى تشغل سوريا وتصب مباشرة في علاقاتها مع العراق هي التي تحكم وتؤثر في القرار السوري.. فضياع العراق.. وتقسيمه. يعني تضاؤل الهيمنة السورية في مياه نهر الفرات. والتي تحرص سوريا على زيادتها. و”احترام الإرادة الحرة للعراق بأسره” وكما أعلن وزير الخارجية السوري لا تعدو عن كونها عقاباً غير مباشر للأكراد الذين لم يسعوا إلى طلب الحماية والرعاية السورية، والتي تعلم سوريا ولا شك أن فكرة قيام كيان كردي مستقل في شمالي العراق، تعني أن عليها التعامل مع مليون كردي سوري سيعملون على أن يكونوا جزءاً من كيان مستقل يحرص على أن يقوم على أساس ديمقراطي تعددي.. لم يعتده ولم يألفه من خضع طويلاً لخلاف ذلك.
لا ينكر أحد خطورة تقسيم العراق.. على المنطقة بأسرها. ولا يملك أي منا إلا أن يتأمل بطرح ناضج لمسألة وحدة العراق وسيادته وحرية شعبه إلا أن مثل هذه المطالب. لا تحققها اجتماعات ولا قرارات كالتي اتخذها وزراء خارجية الدول الثلاث المجاورة للعراق.. فسيادة العراق ووحدة أراضيه هددها من قبل التقاتل الإيراني – العراقي.. وإن لم يكن كالصورة الحاضرة الآن. وما يزيد في التشكيك بنوايا مثل هذه الاجتماعات.. هو في أنها تصدر عن دول حملت دوماً لواء العداء والخصومة للعراق.. وهي الآن ترفع راية حماية العراق وشعب العراق.. وتتعالى الأصوات المنادية بعزل المتضريين من أكراد في الشمال.. وشيعة في الجنوب.. أي بالتفريط بوحدة الأراضي العراقية.
كلنا ولا شك يؤلمنا عراق ممزق. لكن الدعوة إلى الحفاظ على وحدة وحرية العراق.. بالإمكان توجيهها بداية لتطال المحرومين.. من الشعب العراقي. والذين هم ولا شك في حاجة إلى قطعة خبز.. الأكثر بكثير من “إرادة حرة” نادى بها المجتمعون الثلاث من باريس.
