الأرشيف

الأزمة… إدارية لا مالية

[جريدة الطليعة 13/5/1998]

هنالك ولا شك فرق شاسع كبير بين الفعل ورد الفعل، فالفعل دائماً يشير إلى نضج وإدراك، ويحوي نظرة أبعد وأشمل للمشاكل والقضايا!! بينما يكون رد الفعل دليلاً على سذاجة وضعف، وينم عن فقدان المقدرة على صياغة القرار، أو حتى عن الخروج من أصغر المشاكل وأدنى المعوقات!!
قرار الحكومة بزيادة أسعار المحروقات أو اقتراحها بضرورة فرض ضرائب للخروج من مأزقها الاقتصادي المتصاعد والمتأزم، هو بلا شك قرار “رد فعل” لأفعال تجاهلتها الحكومة وتجاوزتها منذ بداية نشأة وتكوين الوطن!!
ففي كل مرة تثار فيها قضايا الميزانية والعجز المالي الحالي والمستقبلي، تطرح فكرة الرسوم والضرائب، ومضاعفة الأسعار، كحلول مثلى للوضع الاقتصادي المالي المتأزم!! على الرغم من أن مشكلتنا الحقيقية، حتى مع الظروف الاقتصادية الراهنة، ليست مشكلة مالية على الإطلاق، بقدر ما هي إدارية بحتة!!
فعلى الرغم من كل ما أحدثه الغزو، وتكلفة التحرير، بما فيه حرائق النفط وتجميد الإنتاج، إلى أن سقطت أسعار النفط سقطتها الأخيرة!! إلا أننا وفي ظل كل ذلك، لا نزال نتمتع بوفرة مالية مقارنة بحجمنا السكاني والمكاني، إذا نحن عملنا على إدارة الدولة وتلك الأموال بحنكة وتمعن أكثر!!
ولكي ندرك أبعاد وتأثير تلك (اللاحنكة الإدارية) ما علينا سوى العودة بالزمن إلى الوراء بعض الشيء، إلى أولى سنوات الحصاد المالي من الثروة النفطية!! أي إلى ما يقارب الخمسين عاماً، ولنجر حسبة بسيطة نقيس من خلالها ونحكم ما إذا كان الخلل الدائم في جسم هذا الوطن مالي الصبغة أم إداري النكهة والطابع!!
فعلى مدى خمسة عقود، وبدخل كان أعلى دخول العالم بأجمعه، وبتعداد سكاني بسيط ومتواضع في حجمه وكثافته، وبمساحة جغرافية محدودة وصغيرة!! مع كل تلك المقومات، إلا أننا لم ننجز بنية تحتية مكتملة البناء والتأسيس!! فالشوارع لا تزال تحت الإنشاء، والمناطق السكنية الخارجة عن حزام الدائري الرابع تجتاحها فوضى التعمير والتوزيع والتخصيص، والمستشفيات والجهاز الصحي بشكل عام لا يزال يجتر أزماته وأخطائه على مدى كل هذه السنوات، وغير ذلك الكثير!! فإذا كنا وفي قمة الوفرة المالية والدخل الاقتصادي الهائل لم نكمل بناءنا الأساسي التحتي!! فإن ذلك يؤكد أن ما نحن بصدده اليوم من مشاكل ومآزق ليس لأسباب مالية، وإنما لأسباب إدارية بحتة!!
نحن لا ننكر على الإطلاق أن حجمنا الصغير وموقعنا الجغرافي، وانتمائنا القومي العربي قد فرض علينا التزامات مالية هي جزء من دورنا المرسوم في الخريطة العربية، كما للآخرين كذلك أدوارهم السياسية والعسكرية والدفاعية وهو ما يحاول البعض هنا أن يتشبث به كعذر لإخفاقاتنا الإدارية، بل إن ذلك البعض يصر على أن تلك الالتزامات المالية قد أجلت مشاريع وخططاً كثيرة، وهو ما ينفيه الواقع. فبعد كارثة الغزو، وقدوم التحرير، وانطلاق معركة البناء عادت تلك (اللاحنكة الإدارية) لتسيطر على كل المشاريع والخطط، وعمت الفوضى وساد التخبط فاستنزفت الأموال بالطريقة التي شهدناها وعشناها، واتضحت الصورة أكثر حول حقيقة الخلل الإداري الذي يعترينا.
إن رفض بعض المواطنين مشروع الرسوم ليس بسبب الأعباء المالية التي قد تشكلها تلك الرسوم عليهم، وإنما لإدراك هؤلاء بمصادر الخلل المالي وأسبابه، فلكي أقنع مواطناً بأن واجبه الوطني يحتم عليه المساهمة المالية من خلال دفع رسوم للخدمات التي يتلقاها، يجب أولاً أن أستخدم أسلوب الإقناع ذاته، لتفسير الأسباب التي دفعت إلى تبرئة ساحة متهم بانتهاك حرمة أموال الوطن والمواطن، والاستيلاء على ما يعادل ميزانية خمسة أعوام كاملة!! أو الأسباب التي تدفع إلى تجاهل الاستنزاف الشره الذي يمارسه البعض لمقدرات الوطن! أو عن الأسباب التي تقف وراء امتناع الدولة عن الإصرار والتمسك بمبدأ الإفصاح عن الذمة المالية، والإقرار بموجودات المسؤول قبل وبعد استلامه المنصب.
أمور كثيرة تتطلب تفاسير وتبريرات مقنعة، قبل الدخول في مسألة المساهمة في أعباء الدولة المالية.
هو بلا شك واقع مؤسف ومحزن، قبل أن يكون مثيراً للقلق، وإصلاحه لا يكون إلا بالتزام الأطراف كلها: الدولة ومؤسساتها وإداراتها من جهة والمواطن من جهة أخرى بواجباتهم تجاه الوطن. فإذا كان على المواطن أن يلتزم بدفع ضريبة أو رسوم، فإن الدولة ملزمة كذلك بأن تتحلى بحنكة إدارية ثاقبة في إدارة أموال الرسوم، وبصورة تختلف تماماً عن الأسلوب الذي تبددت فيه ثروة خمسين عاماً!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى