
جاء تعريف الحزب السياسي بكونه.. مجموعة من المواطنين يؤمنون بأهداف سياسية وأيديولوجية مشتركة.. وينظمون أنفسهم بهدف الوصول إلى السلطة وتحقيق برنامجهم.
ومن التعريفات الشهيرة لماهية الحزب السياسي.. جاء تعريف بتجامان كونستان في سنة 1816 والذي ينظر إلى الحزب كجماعة عقائدية.. الحزب هو اجتماع أشخاص يعتنقون العقيدة السياسية نفسها.. إلا أن تعريف الحزب.. خاصة بعد الخمسينيات من هذا القرن لم يعد يستند فقط على (العقيدة) حتى في المفهوم الليبرالي نفسه.. فقاموس “لو روبير” الفرنسي يعرف الحزب بأنه “تنظيم سياسي يقوم أعضاؤه بعمل مشترك لإيصال شخص واحد.. أو مجموعة أشخاص.. إلى السلطة وإبقائهم فيها بهدف نصرة عقيدة معينة”.
أما موسوعة “لاروس” 1963 فتدخل عنصر المصالح في تعريفها للحزب فتحدده بأنه “مجموعة أشخاص تعارض مجموعة أخرى بالآراء والمصالح”.
تلك كانت بعض التعريفات لخصائص الحزب السياسي كما أوردتها القواميس السياسية.. وقد عرف العالم العربي النشاط الحزبي مع مطلع العشرينات من هذا القرن.. حيث تأسست معظم الأحزاب الشيوعية العربية. فكان حزب الاتحاد السوري الذي تشكل إبان الحرب العالمية الأولى.. والذي كان يهدف إلى تكوين دولة سوريا بوحدتها القومية من طوروس شمالاً إلى العقبة جنوباً.. ومن الفرات والصحراء شرقاً إلى البحر المتوسط غرباً وجاء كذلك حزب الاستقلال الذي انبثق عن جمعية العربية الفتاة.. وحزب التقدم.. والحزب الديمقراطي.. أما حزب الاتحاد المصري.. فقد جعل برنامجه المطالبة بالاستقلال. وحزب الاتحاد الديمقراطي من أجل البيان الجزائري في العام 1946. وحزب الاتحاد الوطني العراقي 1946، وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في المغرب، وحزب الآخاء الوطني العراقي.
تلك كانت بعض الأحزاب العربية.. والتي جاءت كتنظيمات عفوية تجاه الاستعمار آنذاك.. والتي انتهى أغلبها مع حركات التحرر والاستقلال التي شملت المنطقة بين الخمسينيات والستينيات.
كلمة حزب.. أو تنظيم حزبي في المجتمعات الغربية. أو في مجتمعات العالم الثالث.. كلمة تثير الشبهات والشكوك.. فهي دوماً توحي بالعمل السري.. والتنظيم الإرهابي.. إلى حد أن أصبحت كلمة (حزبي) أو (ذي انتماء حزبي).. أصبح استخدامها جارياً على كونها تهمة سياسية خطيرة.. ملتصقة دوماً بالخارجين على نظام المجتمع وقوانينه.. ممن يمارسون أعماله ونشاطهم في سراديب رطبة.. تلاحقهم دوماً مخابرات الدولة وأجهزة أمنها.
وبالرغم من أن وجود الأحزاب في مجتمع ما.. ما هو إلا ظاهرة تعني ازدياد النضج السياسي لذلك المجتمع.. ودليل على تجذر الممارسة الديمقراطية فيه.. وحيث أن ازدياد المشاركة والمساهمة السياسية في مجتمع ما.. دليل وعي وتطور ونضج سياسي في هذا المجتمع.. فمما لا شك فيه أن التنظيم داخل إطار حزب.. سيكون أكثر فعالية.. وتنظيماً لتحقيق تلك المشاركة.
بالرغم من كل ذلك.. إلا أننا لو عدنا قليلاً إلى بداية هذا المقال.. وتمعنا في الأساس الذي يقوم عليه التنظيم الحزبي من خلال التعريف المطروح.. وبأن أساس قيام أي حزب سياسي إنما يعني التنظيم والعمل على الوصول إلى السلطة السياسية.. وتداولها.. والذي هو واقع أغلب الأنظمة السياسية الديمقراطية في العالم.. لو تمعنا في الدور الحقيقي للأحزاب السياسية.. لأدركنا السبب وراء ذلك التشكيك الذي يصل إلى حد الخيانة.. في المجتمعات السياسية العربية تجاه التنظيم الحزبي. بل وحتى في ظل بعض المجتمعات العربية.. والتي تصرح في إطار محدود وضيق بالتنظيمات الحزبية.. فإن الأحزاب التي نشأت في تلك المجتمعات كانت دوماً نماذج مشوهة لحقيقة العمل الحزبي.. حيث إما أنها اتصفت بالطابع المؤقت.. والآني.. لتحقيق الوصول إلى السلطة.. وبحيث يتراجع العمل فيما بعد تلك الخطوة.. ويبدأ الحزب الحاكم ليصبح (الأوحد).. وتبدأ سياسة السيطرة التامة.. والقمع.. والتي دوماً تُساق الحجج الواهية للتضليل على الغرض الحقيقي لتلك السياسة.. كضرورة توجيه الجهود نحو البناء.. والنضال.. ومواجهة متطلبات المرحلة القائمة.. أو أن يفقد الحزب قدرته على البقاء والاستمرار.. بموت وانتهاء الزعيم الذي أسسه.
لعلّ السبب الأهم في فشل التظيم الحزبي في عالمنا العربي.. في محاولة التعبئة ضد الواقع الاستعماري في العشرينيات من هذا القرن.. والسؤال الآن.. تحت أي ظروف.. ولأي أسباب.. سيتم تحديث التنظيم الحزبي بأدائه الحقيقي.. في عالمنا العربي؟؟!!
