الأرشيف

اغتيال الفكر.. واغتيال الفرد

[جريدة القبس 21/8/1991]

تساءل صغيري حائراً عن سبب رفضي لشرائه حقيبة مدرسية تحمل العلم الأمريكي “أنت لا تحبين أمريكا يا أمي!!”.
لم أجب… لأنني حقاً لم أستطع أن أجيب… فقط أطرقت رأسي وعدت بتفكيري إلى الوراء… إلى حيث كنا نلقن ومن ثم نردد ونحن أطفال صغار بأن بلاد العرب أوطاني.. وما عداها بلاد كفر وإمبريالية.. إلى آخر ما يحتويه قاموسنا السياسي آنذاك من مسميات ننعت بها كل نظام مغاير.
فكم يا ترى أملك من الحق في صياغة تفكير ابني!! وما مدى حقي في إملاء ما أراه صحيحاً أم لا!! وهل تشفع لي أمومتي أن أكون متسلطة فكرياً!!
إن الأسرة هي المجسم الصغير للمجتمع الكبير… بمعنى أن كل ما يحدث داخل إطار الأسرة لا بد وأن ينعكس على المجتمع… وأن ما يمارسه الفرد ويتعلمه داخل إطار الأسرة.. سينتقل معه إلى مجتمعه الكبير.
تتنازع الإنسان في مسيرته الحياتية رغبتان أساسيتان يتمتع بهما الفرد العادي رغبة على مواصلة البقاء في هذه الحياة وهي رغبة لا يستطيع أن يغير فيها كثيراً.. لكونها مرتبطة بمدى ملاءمته صحياً على البقاء لأطول فترة ممكنة. أما الرغبة الأخرى فهي رغبته في أن يكون له دور في مجتمعه… سواء كان مجتمع الأسرة الصغير.. أو مجتمعه الكبير. وهي رغبة ترتبط أيضاً بمدى ملاءمته فكرياً على المساهمة في إبراز هذا الدور… ومدى قدرته على التمييز لاختيار الأنسب من ناتج فكره… ولا يتوفر ذلك إلا باستخدام العقل والذي يعكس مدى قدرة الفرد على التعامل مع المجتمع… على أن يتم ذلك ضمن إطار كاف من حرية الفكر. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو مدى أحقية المجتمع الصغير (الأسرة) والمجتمع الكبير في تقرير أسلوب التفكير..؟ هل هو حق مطلق.. أم أن في إطلاقه انتهاك لحرمة الرأي والفكر الحر!! ولننظر إلى نشأة الفرد في مجتمعنا… ونقيس عليها درجة الحرية المكفولة للفرد في مراحل نشأته الكاملة. ينشأ الفرد طفلاً في أسرته والتي تشكل أول مجتمع يباشر فيه ممارسة التفكير.. حيث يتم في إطارها أيضاً رسم أول ملامح الشخصية، وهي الهوية التي ستلازم الفرد في مراحل حياته.. لتشكل أساساً لاختلاف الأفراد.. في هذا المجتمع الصغير..
تبدأ الأسرة عملية تلقين الطفل ومجابهته بمسلمات غير قابلة للجدل أو النقاش.. فتقتل فيه أول مبادئ الفكر الحر.. فالأب هو المساهم الوحيد في الرأي هنا.. وهو يمثل السلطة الوحيدة في الأسرة.. سلطة تشمل كل شيء بما فيه نتاج الأبناء الفكري… مما يطمس معه روح الحوار، فالطفل الذي لم تسنح له الفرصة أن يكون فرداً في أسرته له كيانه الخاص… وله أسلوبه في تسخير قدرته من العقل والذكاء على مناقشة ما يواجهه من تلك المسلمات.. ينشأ عنه فرد عاجز على المساهمة أو العطاء مستقبلاً.
ويحمل الطفل معه إلى المدرسة إرثه من مجتمعه الصغير… وتبدأ في الدراسة مرحلة أخرى من التلقين لمبادئ وأفكار قد تكون أكثر شمولية وأوسع مجالاً عما تلقاه في إطار أسرته، إلا أن أسلوب الطرح يبقى واحداً… وهكذا تنتقل ملكية فكر الفرد من الأسرة إلى المدرسة، وأذكر جيداً عندما كنت في مراحل الدراسة الأولى أنني حاولت في إحدى المرات أن أستفسر من مُدرسة اللغة العربية عن كينونة النار في القرآن الكريم.. وبأنها قد تكون رمزاً لعذاب يجهله العقل البشري فكان اللوم كل اللوم لي على جرأتي مناقشة ما قد أنزل الله. وانتفى حق الفرد في المدرسة بأن يكون له دور في ممارسة حرية الفكر.. سعياً وراء تحقيق لذاته كإنسان. فأصبحت المدرسة تقرر ما يسمح له بقراءته.. وأصبح رأي الفرد محصوراً بين دفتي كتاب مدرسي. دون محاولة لتطبيق ما يرد في تلك الكتب على مجال الحياة اليومية.
وعلى الرغم من أن العلم يرتبط ارتباطاً مباشراً بالتجربة والتي هي خير برهان على مدى مصداقية وجدوى النظرية.. فكما أننا لا نستطيع أن نحس بطعم ما.. ما لم تتوفر سبل التجربة.. وهي في هذه الحال التذوق.. والتي على أساسها يميز الفرد ما يتناوله من طعام. كذلك كانت عملية التلقين العقيمة في المدرسة، والتي كان من شأنها أن خلقت أفراداً قادرين على حفظ مبادئ وقيم وأسس كثيرة.. واسترجاعها جيداً.. إلا أنها فقدت مصداقيتها في غياب التجربة والتي هي في هذه الحال التطبيق والممارسة. فالعلم لا ينطلق من حقائق مجردة.. بدليل أن مادة “الاجتماع” أو “التربية الوطنية” في التعليم الثانوي كانت من المواد الأساسية التي يتلقاها الطالب في هذه المرحلة.. وعلى الرغم من بساطة ومنطقية “الاجتماع” كعلم.. إلا أن الطالب كان يرى فيه نوعاً من اللاحقيقة والإعاقة المطولة.. لا لشيء إلا لأن ما كان يدرس في علم “الاجتماع” كان بمنأى عن نطاق التجربة.. ففقد مذاقه.. وألغيت مادة “الاجتماع” ولم يفتقد الطالب الكثير.. لأن ما كان يردده لم يكن له صدى في الحياة اليومية.. فما ينادى به علم “الاجتماع” من حرية فكر.. وممارسة حرة للرأي.. ومشاركة في القرار.. وحقوق أخرى للإنسان.. لا يستطيع أن يتبينها في مجتمعه.. فما الحاجة إلى الإلمام بها إذاً؟!
ويخرج الطالب رجلاً إلى مجتمعه الكبير.. ومع ازدياد المسؤولية تزداد معها رغبة الفرد في المساهمة بأن يكون له دور في هذا المجتمع فيعجز الفرد في مجتمعه الكبير كما عجز من قبل في مجتمع الأسرة والمدرسة، نتيجة إحباطات وتراكمات استمرت طوال حياته السابقة. فهو قادر أن يتمتم ويردد.. بل ويهتف أحياناً بمفاهيم كثيرة.. تبدأ بالاصطدام بواقع الحياة الجديدة.. ليتبين له أن ما حفظه وتلقنه كان لا يعدو عن حقائق مجردة.. ليس لها وجود حقيقي في مجتمعه. إنه قادر على أن يكتب ويناقش وبمنطقية مذهلة كل مبادئ حقوق الإنسان.. يستطيع أن يحاضر ويعلم ويلقن أيضاً أجيالاً أخرى من مخزونه العقلي.. ويغفل في سياق ذلك أن حرية الفكر والتي هي من ألف باء حقوق الإنسان ليست فقط حق شفهي في التعبير، وأن الحرية الحق لا تقتصر على حق المطالبة فقط.. وإنما تشتمل أيضاً على أن تكون قادراً على الحصول على ما تطالب به.
والفرد في رحلته من مجتمعه الصغير إلى مجتمعه الكبير… ينمو وتنمو بداخله تناقضات هائلة لثوابت كثيرة أقرها مجتمعه وحرم عليه تجاوزها من منطلق يجوز ولا يجوز.
إلا أن ذلك لا ينفي نمو تلك التناقضات.. مما يجعل تراكمها يحدث انفجاراً وعنفاً.. فنرى في مجتعاتنا العربية.. وغيرها من مجتمعات العالم الثالث.. والتي تمارس إقطاعية الفكر تعج بالثورات الدامية.. وينتشر نظام العسكر فيها.. لأن اغتيال الفكر يتطلب قوة وعنفاً لا يقل عن عنف اغتيال الفرد.
ولنستعير للمقارنة المجتمع الأوروبي.. والذي مارس الفكر الحر مع مفردات اللغة في أغلب مجتمعاته مع انطلاقة الثورة الفرنسية والتي أرست أسس مبادئ حقوق الإنسان، فتدرج في بناء مجتمعات على أساس كاف من الحرية المكفولة بالممارسة.. حتى وصل إلى مشارف الوحدة الأوروبية.. والتي ستكون ممارسة فعلية مع العام 1992.
أما نحن في المجتمعات العربية فكانت بدايتنا عكسية.. بدأنا نطالب بالوحدة العربية في جو من الكبت الفكري.. فالكل كان لا بد وأن يؤمن بما ستحققه تلك الوحدة.. فكان أن أصبحت هي الرأي الوحيد المطروح في الساحة العربية.. أما حرية الفكر فإنها ستأتي وتثمر في إطار الوحدة!! وكانت النتيجة كما نعيشها ونراها الآن.. أوروبا تتحد.. أما نحن فنتبعثر.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى