تقارير وحوارات

استنساخ العندليب

في القرن الحادي والعشرين، حقق الإنسان حلماً خالداً، طالما راوده عبر تاريخه الطويل! حلم البشرية الدائم في الخلود والأبدية أصبح حقيقة مع دخول أبحاث وتجارب الاستنساخ وتجاربه خانة الواقع، وعلى الرغم من أن هذه التجارب لا تزال داخل دائرة الاستخدام في الحيوان والنبات فقط، فإن ذلك لا يمنع القول إن الاستنساخ قد خرج من مجرد كونه نظرية وفرضية علمية مجردة إلى تجربة وواقع مخبري وعملي!
في نقاش ضم بعض الأصدقاء حول غرائب الاستنساخ وعجائبه، اختار كل واحد منا ثلاث شخصيات يتمنى استنساخها، وقد وقع اختياري شخصياً على عالم الأحياء وصاحب نظرية النشوء والارتقاء “داروين” كأحد أولئك الثلاثة، أما الثاني فقد كان الزعيم العربي جمال عبدالناصر، وجاء الثالث الفنان الأسطورة عبدالحليم حافظ، أما داروين فقد اخترته رغبة مني في أن يشهد التطبيق الفعلي والحقائق العلمية المحسوسة لما طرحه من نظريات حول نشأة الإنسان وتطوره، وكيف أن تطور الإنسان البيولوجي كان نتيجة طبيعية للاختيار الطبيعي للجينات البشرية داخل بيئتها.
ويأتي اختياري للزعيم العربي جمال عبدالناصر على أمل أن يعيد بعضاً من الكرامة العربية المنهوبة وأن يعود معها بعض من ثقة المواطن العربي في حاضره وغده ومستقبله، وأن تعود معه سمات الزعماء الرجال، أما عبدالحليم حافظ، فقد رأيت في عودته مستنسخاً حركة تصحيحية للفن الذي أصبح بلا وزن وبلا قافية! فلم يعد هنالك مؤدٍ ولا مستمع، وحلت تكنولوجيا التسجيل بأجهزتها المتطورة محل الحناجر الذهبية!
في داخلنا جميعاً حنين لذلك الزمن الجميل، زمن كان الإنسان فيه مبدعاً، ومفكراً وقائداً، زمن كانت فيه التكنولوجيا والآلة معينتين للإنسان، وليستا بديلاً عنه!
زمن يحن إليه حتى أولئك الذين لم يعيشوه، وهؤلاء بالتحديد يحاولون استعادته من خلال تكرارهم لبعض رموزه أو أفكاره السائدة!
مسابقة “العندليب من يكون؟” التي تبثها إحدى المحطات الفضائية، تعبر عن بعض من هذا الحنين، حيث تتنافس مجموعة من الشباب على تجسيد الفنان الأسطورة عبدالحليم حافظ فناً وتمثيلاً، بل حتى هيئة ومظهراً، وهي المسابقة التي وجد فيها البعض تقليداً مسخاً ومشوهاً لأسطورة من أساطير الفن العربي الأصيل! بينما تمنى البعض الآخر أن يتمسك أولئك الشباب بإحياء نزعة الفن الأصيل، من خلال رفض التشويه المؤسف للفن، الذي نراه يومياً على شاشات الفضائيات، والإصرار على تشجيع المواهب الفنية الحقيقية، وتتويج أساطير جديدة في الزمن الحديث، دون الحاجة إلى تقليد طبق الأصل لصورة من صور الماضي!
برنامج “العندليب من يكون؟” يحمل أمنية بشرية مكبوتة لاستنساخ الماضي، وهو – أي البرنامج – يحمل في طياته مؤشراً على عجز الواقع العربي المعاصر عن إفراز أساطير فنية أو سياسية، تقارب في حجمها ومكانتها المساحة التي احتلتها الرموز الأصلية.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى