شئون خليجية

استقرار في عهدة الزمن

جريدة الطليعة 1996/6/19

لم تأت السيطرة الأمريكية الشاملة على منطقة الخليج بصفة خاصة.. بين ليلة وضحاها، ولم تكن أبداً وليدة الغزو العراقي للوطن.. بل قد يكون في ذلك ضرب من السذاجة الطفولية، إذا ما كان مثل هذا التصور لا يزال قائماً!!
قد يكون جرف قوي من العاطفة، قد تملكنا مصحوباً بمرارة وحرقة الخديعة والاحتلال، هو ما دفع بنا إبان الغزو العراقي البغيض لنمارس فرحاً بالخلاص، وانفراج الأزمة شابه الكثير من مراهقة وجنوح العاطفة، لقد بدت العلاقة مع أمريكا والغرب كما لو كانت جزءاً من رواية خيالية، لا جزءاً من واقع سياسي وظروف دولية نعيش بعضاً من أحداثها الطويلة والممتدة عبر التاريخ.
أحداث البحرين الأخيرة، والتشنج الواضح والذي أصبح غالباً على صورة العلاقة مع إيران، في أعقاب الاعتقالات الأخيرة، ثم (النجدة) الأمريكية التي أعلنها الرئيس الأمريكي، وتعهده بدعم البحرين والدفاع عنها. كل ذلك لن يجلب استقراراً للمنطقة، وإن حدث فسوف يكون استقراراً مسروقاً من عهدة الزمن، وديناً مرهوناً في عهدة التاريخ!!
يقول الرئيس الأمريكي في رسالته إلى البحرين: “إن بين البحرين والولايات المتحدة تاريخاً طويلاً من الصداقة والتعاون كما أن بيننا الكثير من الأهداف المشتركة ولعلَّ أحد أهم هذه الأهداف هو تعزيز الأمن في المنطقة وفي بلدينا”. وهو قول لا يمكن اعتماده كدعم، أو مواساة، أو تعاطف، بل جزء من السياسة والاستراتيجية الأمريكية في المنطقة بوجه عام!! فلقد صرح من قبله وفي العام 1981، رئيس الأركان الأمريكي في تقديمه للميزانية العسكرية قائلاً: “إن كل مناطق العالم مناطق حيوية للأمن القومي الأمريكي، فنحن نعيش في عصر حيث يمكن لأي انقلاب عسكري أو إضراب كبير أو هجوم إرهابي أو حرب بعيدة أن تؤدي إلى نتائج عالمية تؤثر في ازدهارنا وأمننا” انتهى.
وسواء كان حديث الرئيس الأمريكي للبحرين، أم حديث رئيس الأركان، فكلاهما يعبران عن استراتيجية أمريكية للأمن القومي!! ومن الصعب جداً أن نبني استقراراً وأمناً قائماً على استراتيجية عرضة للتغيير والتبديل من أي طارئ يحدث!!
لا شك أن منطقة الخليج قد شهدت أعواماً ساخنة، منذ تفجر الثورة الإيرانية في العام 1979، والتي عمقت جذور الخلاف والتباين بين الطرف الإيراني من ناحية، والطرف العربي من ناحية أخرى، ولقد ساهم في تفجر ذلك الوضع أن حيوية المنطقة لم تتراجع أبداً، وأن للغرب مصالح تلزمه أن يسخر كل ما بحوزته من إمكانات للحفاظ عليها، خاصة بعد أن تحولت أهم قواعده إلى جبهة معادية للغرب ولأمريكا، وبعد أن كان الشاه ونظامه حليفاً أساسياً، أصبحت إيران مقراً للشغب ورمزاً للعداء (للإمبريالية). ومعها بدأت إعادة النظر في الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة فتفجرت الحرب العراقية – الإيرانية، ثم أزمة الناقلات ثم الغزو العراقي للوطن.. وخرجت حلول غربية كسياسة الردع المزدوج.
لا نستطيع أن نلوم طرفاً واحداً في ما آلت إليه الأوضاع في منطقة الخليج، فالطرف الإيراني يتحمل جانباً من اللوم بسبب طموحاته القومية الضيقة، والطرف العربي كذلك يتحمل جزءاً كبيراً من اللوم خلال حربه التي شنها العراق، واستسلامه المطلق للنجدة الأمريكية. على الرغم من اقتناع كلا الطرفين باستحالة الاستقرار الدائم في المنطقة طالما بقي الجفاء والعداء مرسوماً على علاقة كلا الجانبين بالآخر.
ستدرك دول المنطقة، أنه لا يمكن تحقيق أي استقرار صلب ودائم دون المبادرة بطرح مشروع للتفاهم والتعاون بين الأطراف كلها، وهو تعاون تفرضه وحدة المصالح سواء على الصعيد الأمني أم المالي والاقتصادي. فأي استقرار حقيقي في المنطقة سينعكس إيجابياً على أسعار النفط والتي هي محور الدخل لدى دول المنطقة كلها.
قد لا نلوم البحرين كثيراً، حين توجهت بأنظارها إلى “أمريكا” طلباً للنجدة وللحماية، بعد أن ضربتها بقوة الأحداث الأخيرة. فلقد أصبحت قضية الأمن الداخلي والخارجي لمنظومة دول الخليج.. قضية أمريكية بحتة، وهو أمر أعلنته دول مجلس التعاون في اجتماعها بالكويت في أعقاب التحرير مع نهاية ديسمبر 1991، حين تركت دول الخليج قضية الأمن مفتوحة وعائمة، فلا هم أعلنوا عن خطة وسياسة أمنية موحدة، ولا هم ألغوا أو رفضوا إعلان دمشق، بل بقيت المسألة الأمنية برمتها في عهدة (الوكيل) والمتعهد الأمني الأمريكي. والذي أصبح مسؤولاً عن أمننا وعن فض نزاعاتنا وخلافاتنا. وهو أمر لا يخلو من القلق، فأن يكون استقرارنا معلقاً (بمزاج) واستراتيجية خارجية، يعني أنه استقرار مستورد، لا بد وأن يأتي يوم نعجز فيه عن تسديد ودفع تكلفة استيراده وجلبه!! فهو استقرار مشوه نسرقه في غفلة من التاريخ والزمن!!

الطليعة 1996/6/19

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى