
في عام 1931 توجّه الزعيم الروحي غاندي مع مجموعة من مؤيديه الى البحر لاستخراج الملح، بعد أن منعت بريطانيا الشعب الهندي من استخراجه، وأصبحت تبيعه لهم بأسعار غالية جداً. قطع غاندي مع مجموعته حينها مساحة 300 كيلومتر سيراً على الأقدام، ليصلوا الى البحر، ويبدأوا باستخراج الملح المحظور، فأدّى ذلك النضال والتصميم إلى توقيع معاهدة دلهي، التي مَنَحَت حينها الهنود الحق في استخراج الملح من بلادهم ومن ثم استخدامه.
قبلها حدثت «ثورة المغزل» الشهيرة، حين قام غاندي باستخدام المغزل اثناء وجوده في سجون الاستعمار البريطاني، ليصنع ملابسه بنفسه، وذلك بعد أن احتكرت بريطانيا شراء القطن الهندي بثمن رخيص، ولتبيعه فيما بعد ملابس قطنية بسعر غالٍ. فكان أن تبع غاندي في ذلك النهج عشرات الآلاف من الهنود في إعلان مقاطعة للملابس القطنية الإنكليزية، مما سبّب لهم خسائر كبيرة، وأصبحت معها مقولة غاندي «احمل مغزلك واتبعني» شعاراً للنضال في وجه القمع والابتزاز والاستعمار، حتى أنه، أي المغزل، تم بيعه في أحد المزادات منذ عشرة أعوام بمبلغ وصل إلى 180 ألف دولار.
أعادت حرب غزة ولبنان مثل هذه الأساليب «الغاندية» في النضال، فارتفع منسوب مقاطعة الكيان الصهيوني اقتصادياً وعلى مستوى الأفراد وبشكل غير مسبوق، حتى أن الأطفال أصبحوا يتأكدون من منشأ المُنتَج قبل شرائه.
مكتب مقاطعة إسرائيل، الذي أنشأته جامعة الدول العربية في عام 1951، تراجع دوره، أو لنقل اختفى، مع توقيع اتفاقيات السلام منذ 1978 وحتى 2020، ولم يعد المكتب فاعلاً سوى في الكويت والجزائر، حتى ان الكويت في عام 2022 أعادت إعلان تمسّكها بمقاطعة إسرائيل ومنتجاتها ومن يتعامل معها من الشركات.
ظاهرة المغزل «الغاندية» تذكّرنا دائماً بأن النضال ليس بالسلاح والدبابة والطائرة فقط، وإنما تتنوع أشكاله بتنوّع الأدوات البشرية، التي غالباً ما تصنعها الحاجة للتحرّر ورفع الظلم، ومقاومة الاستقواء بالآلة العسكرية، والعنف الميداني المُدجّج بكل ما أخرجته مصانع السلاح المجرمة. فالمقاومة الفلسطينية واللبنانية بدأت في استثمار التأثير النفسي على جنود الاحتلال، وبث ممارساته المجرمة من قتل ودمار للعالم كله، وإلغاء ثوب «الضحية»، الذي ارتدته إسرائيل منذ الحرب العالمية الثانية، وعملت على استثماره سياسياً وبشكل مكّنها، ولسنوات طويلة، من أن تمارِس مظلوميتها، وبشكل مكّنَها من احتلال شبكة عالمية واسعة من التعاطف تجاهها.
والقاعدة العسكرية في كل الحروب تقول إن الهزيمة المعنوية للجيوش لا يقل أثرها عن الهزيمة العسكرية على أرض المعركة.
يُقال إن الإفراط في استخدام القوة قد يؤدي الى المزيد من الضعف لا العكس، وهذا بالتحديد ما رأيناه في الحرب، التي دارت ولا تزل في غزة ولبنان، فحجم وعدد القنابل ودرجة انشطارها وانفجارها وتدميرها لم تُمكّن الكيان، وحتى اللحظة، من تحقيق أهدافه التي أعلنها، سواء العسكرية منها أو السياسية، فكل ما حدث اليوم، ومنذ أكثر من عام، أن الكيان ضاعَفَ من أعدائه، ولم يُضاعف من انتصاراته، وذلك بإفراطه في استخدام القوة.
لقد استخدم هتلر القوة العسكرية في الحرب العالمية الثانية، التي كبّدت البشرية ما يقارب الـ60 مليون قتيل، فكانت النتيجة المباشرة ان ضاعَفَ من حجم وعدد أعدائه، فخسر الحرب، وخسر الحزب، وخسر ألمانيا برمتها.
فبينما حمل غاندي مغزله ودعا مؤيديه إلى أن يتبعوه، فخضعت له بريطانيا العظمى آنذاك، سار الى البحر واستخرج ملح أرضه، فتم إجبار المستعمِر على توقيع معاهدة مع الهند، يلجأ الكيان الصهيوني إلى كل أشكال القنابل، ولكن من دون أن يحقق نصره المطلوب.
في حالتنا اليوم، هنالك للأسف من يتحفّظ على دعم النضال الفلسطيني، بزعم أن «حماس» و«حزب الله» هما من يحاربان، وان إمكانياتهما أقل بكثير من إمكانيات الكيان. مثل هؤلاء ينسون أن للنضال أوجهاً عدّة، وأن الفلسطيني بلباسه المتواضع يستطيع اليوم أن يدمّر دبابة ميركافا، ليس بقوة عسكرية يملكها، وإنما فقط لأن الحق معه، و«مغزله» وعزيمته هما السلاح.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:اتفاقيات السلام-الأساليب الغاندية-القطن الهندي-القاعدة العسكرية
